بروكسيل ذاك
الزمن الجميل/ 4
تطوان :
مصطفى منيغ
سألتني مِن جديد :
- كيفَ تَمَّ عبوركَ
إلى أن وصلتَ بلجيكا لتستقِرَّ الآن فوق قلبها النابض بروكسيل ؟ .
أجبتها مُظهِراً
أنني غير منزعج من تواصلِ أسألتها وكأنها تدقِّق ، ليس عن السبب وحسب بل المُسَبِّب
لاتخاذ مثل القرار المصيري داخل صياغ المنطِق :
- أشبِّهُ في ذلك ذاتي كورقة من غصن زيتونة سمراء الحبات
أسقطها الربيع فوق أرض يابسة من شمالية المناطق ، ليجرِفَها سَيْل تَجَمَّعَ لِيَشْتَدَّ
سريانه دون مَطَرٍ ساقِط بالتَّدقيق ، ليستقبلها بحر إسبانيا المضطرب بأزمات لتلك الأراضي
الأندلسية مُختَرِق ، فتتبع سبيلها فوق محيط فرنسا الهائج لن يقدر عن الضوضاء أن يُفارِق
، لتصل الى نهر بلجيكا الهادئ اليَمِّ لاستقبالها كممثِّلَة لذاتي بِيُسرٍ يُوافق ،
على أمل أن تعود لأفنان أي زيتونة لحبَّاتها المَيَّالَة للبياضِ تُعانِق .
بأدب جم في حديث
صادرٍ عن أنثَى مُدَلَّلة ترَى في حُسنِها الخارق ، المتحَكِّم دون وساطة ولكل
حدود عدم الانبهار بها حارِق ، مما يجعل مداخلاتها بمثابة أوامر تُستقْبل دون أن
يكون لسانها بها ناطق ، يكفى نظرة لتصبغ باخضرار جفنيها عقل أي شاب يتَّخِذُ حياء
أصله أهم عائِق ، لتبادل انجذاب نحو رحابة الرغبة بأخلاقه السمحة تضيق . كان
سؤالها هذه المرة :
- وكيف وجدتَ بلجيكا
عامة وبروكسيل خاصة وأنا أيضاً إن كنتَ معي كما وضعتك في مستوى ذاك المُحِق .
أجبتها بلغة فرنسية عن قصد لا لُبس فيه لتعلمَ
مُسبقا أن المتكلمَ بها دون خطأ على الإطلاق ، يكون أدرى بأهلها الأصليين ولو
اختلفوا من حيث الإقامة والانتساب ، يُعرَفون بنكهة منطوقِهم للجُمل ، فالفرنسي
بها ليس كالكندي أو البلجيكي ، فلكلٍ منهم نكهة وطبقات مخارج حروف أصوات غير
مطابقة لبعضهم البعض ، وحتى تفهمَ أن فرنسيتها ليست بلجيكية بل أتت بها من الخارج
وليس المغرب تحديداً ، فأجيب بما مضمونه الأتي :
وجدت بلجيكا لا زالت
تنظِّف أطرافها مما صنع بها أدولف هتلر من أضرار انطلاقا من 10 مايو سنة 1940 وما أعقبها من
احتلال ألماني لترابها لغاية 1944 ، ما كان تجاوزها بالأمر الهين بل هي تضحيات
شملت كل طبقات الشعب لإنقاذ الهوية المحلية من التلف المُحقَّق ، فالبدء من الصفر
بعزيمة تضعها موضع النموذج المُحتذى به في صناعة مستقبل ضامن استقلالها فارِضٍ
موقفها الحق ، من قضايا لا تترك ثغرات لتتسرب منها مطامع غرباء عن احترام صلاحية
الأهالي لاختيار ما يناسبهم أو يروق ، وبذلك أصبحت بلجيكا بمثابة شعب عامل شديد
الإخلاص لما يضيف لبنة من لبنات التقدم والازدهار مع ترسيخ قوة مانعة لحصول ما حصلَ
من ضياع للحقوق والأرزاق ، وإن كنتُ عديم الاطلاع حتى الآن باستثناء ما رأيته يُؤكد
عظمة تطلع مواطني هذه المملكة لفرض وجودها بما شيدته من معالم ومنها هذه المحطة
"مِدِي" للسكك الحديدية ، ومع الوقت سأكتشفُ ما يجعلني أرتاح لإقامتي
هنا ما مكَّنني القدر من زمن قد يقصر أو يطول . أما عنك هي قادم أيام حتى أستطيع الوقوف
لتقييم إن كنتُ استحق حَظَّ معرفتك ، أم
سيتطور الأمر لبناء ما أودُّ بناؤه على مراحل بعرق جبيني ، كما تقتضيه عادات
وتقاليد الأرض الشريفة التي أتيتُ منها ، حيث الرجل تلزم رجولته عدم الاتكال على
امرأة مهما كانت واضعة ما تملك تحت تصرفه ورهن إشارته ، أنتِ (ولحد الساعة) إنسانة
لا يهمني جمال محياها بقدر ما سيطرَت على عقلي إنسانيتها ، إذ ما شملتني به من عطف
يجعل ارتباطي بها ذاك الحلال الطبيعي الآتي عن توافق يديم العشرة ويقوى اليقين أن
هذه الأرض تساعد قولاً وفعلاً ، على تبسيط المُبَسَّطِ لإنشاء أُسَرٍ قائمة على
تعزيز المحلي بما يعود بالنفع على الصالح العام مهما كان المجال ، أنت لستِ امرأة
عادية بل تتمتعين برؤية بعيدة لتحقيق الاستقرار والسعادة ، بعدما منحتك الظروف كل
حاجياتك المادية لتعيشين كما تريدين غير ممدودة اليدين لاقتناص زيادة لا تليق
بمقامك ، قد تكون هذه اللحظة بداية انسجام بيننا أو فراق مفعم بالاحترام المتبادل
والتقدير التام لما صدر عنك في حقي .
... انتبهتُ اليها
لأتمعَّن في دموع تطل من حدقيها تمانع الانسياب فوق حدين موردتين بلون شابة فضحتها
الحاجة لعاطفة من شكل خاص ، يحن لرنين أوتار كمان في مَقامِ الصَّبَا ، تُراقص الروح
رقصات إشباع غير منقوص ، التحاماً كأقصَى مُراد مع مَن تتمتَّع داخل جسده بنفس
المزايا ، وفي ذلك يكمن ما يصدر عن مهجة صاحبتها الموجودة بجواري لا زالت عذراء ،
قد تساعدها حرية الغرب المتقدم في احترام حقوق الانسان على عامل الانتقاء .
فسألتها :
- ما سر هذا
التجهُّم المفاجئ وأنت لا زلت على أول الطريق في عالم يرخص لك جرأة العيش كما
تريدين لكن بانتظام يحترم طبيعة طرفين وإن كانا متقاربين في الشعور وليس الإمكانات
المادية .
أجابت : ... (يتبع)
(الصورة : محطة
مِدِي للسكك الحديدية بجنوب بروكسيل)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام
العالمي
مدير مكتب
المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق