الجمعة، 6 نوفمبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /8

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /8

تطوان : مصطفى منيغ

وصلتُ الساعة الثامنة صباحا لأجد "ماري" في انتظاري بابتسامة أدركتُ معزى لباقتها من تلك الوهلة ، لتترك في ذاكرتي أحلَى وَصْلَة ، سمعتُها بعيني في تنافسٍ خفِيّ بينها وأذني لدرجةٍ لا تدري صاحبتها لأيِّ مَدَى واصِلة ، وما الابتسامة تلك سوى واجهة المكنون مِن رغبة نبيلة  ذهَبَت تخميناتي أنَّ وراءها قصة يتهيأ إعجاب ما لكتابتها بحروف عسلية اللون فصلها الأول ما الظروف بنا عاملة ؟، ومتى فتحَ لي القدر مسلك رِبْحِ ذاتي لأول شروط الاستقرار فالأحسن إتمامها مع حليلة ، خاصة والوحدة في هذه الديار جد مُملَّة ، وقد حان الأوان للتفكير في وضعية عاقلة ، لضمان الإسراع بتوفير الإمكانات الكفيلة  ،  بالعيش الطبيعي المفعم بود متبادل مع فتاة جميلة ، تُنْسِي المرء شقاء اليوم برؤيتها مبتسمة في وجهه كما فعلت معي "ماري" لأحِسّ بسعادة ولو لثواني قليلة . فرنسيتها لم تكن سليمة وهي تشرح لي المراحل التي سأتبعها مؤديا عملي ، فسألتها إن كانت اسبانية ؟ ، بالإيجاب أجابتني ، فطلبت منها التحدث بلغتها ما دمت ملماً نطقا ومتبحرا في قواعدها ، وكطفلة تقدَّم لها قطعة حلوى عزيزة عليها قفزت قارحة بالمفاجأة ، ومن هنا ضمتنا الخطوة الأولى على لقاء مستمر تحول لألفة قبل مضى الأسبوع المحدد لتدريبي على العمل ، في اليوم التالي دعوتها لمرافقتي بعد نهاية العمل ، لمطعم نتناول فيه ما نشتهيه من أطعمة ، وافقت وكأنها كانت تنتظر مني ذلك . اتجهنا صوب متجر "سَارْمَا" الأمريكي المِلكيَّة ، القريب من الوكالة حيث نشتغل ، بعد الأكل خرجنا للجلوس في إحدى المقاهي المحاذية للساحة الكُبرى (la grand place de Bruxelles

 ) لؤلؤة العمران البلجيكي على مر العصور ، التي تعتبر القلب التجاري والسياحي لعاصمة المملكة البلجيكية ومعلمة تراثية في تاريخ الإنسانية و من أجمل ساحات العالم وهناك وضَّحت ما كنتُ في حاجة أن توضحَه مِن تلقاء نفسها حيث قالت :

- أنها المرَّة الأولى (مِن خمس سنوات تاريخ حلولي بهذه المدينة قادمة اليها من "سان سبسطيان" الاسبانية ) التي اخرجُ فيها مرفوقة برجل هو أنت ، الغريب أنني ارتحتُ لمثل القرار بعدما تيقنتُ أنَّكَ جِدِّيٌ وعلى خُلُق وكل تصرفاتك تبشر بأنك ابن عائلة شريفة ربَّتك أحسن تربية ، وجعلت منك صاحب مبادئ ، وهذا تَرَكَ انطباعاً محموداً في خاطِري ، وتمنيتُ أن تجمعنا لقاءات حميمية ، حتى نستطيع معرفة بعضنا البعض كي لا نفترق أبدا . أعيش وحيدة بلا صديقات أو أصدقاء ، محافظة لدرجة لا يمكن لك أن تتصورَها ، عن فتاة أوربية لها الحق بَعْدَ بلوغها سِنَّ الثامنة عشرة ، أن تفعلَ بذاتها ما يحلو لها ، لكنني عازمة أن أبقَى كما أردت ، ريثما أختار مَن يناسبني ، آنذاك سأصبحُ مكمِّلة لذاته إن رضيَ بي عن قناعة ، وليس عن نزوة مؤقتة لا خير فيها على الإطلاق . في إسبانيا رغب بعض الرجال في مصاحبتي ، وحالما يطلعون على أحوال عائلتي الفقيرة يتخلَّوْن عني ، فوالدي إسكافي ووالدتي خياطة تحت الطلب ونحن أربعة إخوة فيهم ذكر واحد وأنا أكبرهم عُمُراً ، والجميع أدرى بوضعية اسبانيا ، التي تمر بأزمات اقتصادية خانقة ، مما جعل أعداداً هائلة من المواطنين رجالا ونساءً لا يجدون الحلَّ لمشاكلهم المعيشيَّة ، إلا في الهجرة إلي الدول الأوربية المجاورة بداية ثم  الأبعد من ذلك بمرور الزمن ، ولَمَا طرحتُ الفكرة على والداي بالانضمام لتلك الموجة باركاها ، بل اقترضا مبلغاً من المال مكَّنني من القدوم ومباشرة الى بروكسيل ، فكان عليَّ أن أعولَ أسرتي الصغيرة بأقصَى ما أقدِرُ عليه ، عساها تحيا مرتاحة بعض الشيء ، بالتأكيد اكتفيتُ بالضروري معتمدة على راتبي من الوكالة ، حتى ما ارتدي أشتريه من متاجر متخصِّصة في بيع الملابس المستعمَلة ، لا مساحيق تجميل ولا كمليات كعطور تجعل من فتاة مثلي تُحسِّن منظرها أمام الغير ، وهأنذا اشعر بشيء من الضيق وقد تجاوزَ سنِّي الخامسة والعشرين بشهور دون العثور على شريك حياتي ، الذي أخدمه بكل كياني ويساندني في السراء والضراء ، ومهما رأيتكَ أول مرة تمنيتُ أن تكون أنت وكم هو جَيِّد أن يجمعنا حتى العمل في مكان واحد ، ولو تحقَّقَ ذلك لودَّعتُ الحرمان برحيله عني بلا هوادة ، ولتخلصتُ من المحنة التي لازمتني منذ مدة .

كان عليَّ أن أردَّ عليها صادقاً في ذلك  أولاً مع نفسي ، بل ولأكونَ في مستوَى الصراحة التي رَفَعَت قيمتها عندي ، إذ لأول مرة أشعرُ أنَّ فتاة تخاطبني بما تختزنه في صدرها ، وما يخفق به فؤادها ، وما لا يجد بُداً عقلها ، إلا اطلاع القريب منها عليه ،  لا أقول التعامل بالمثل ، لكن لأرضي ضميري بما سأفرغُ باعترافي صدري ، الذي خلته ضاقَ بما تكدَّس داخله من مواقف ، تحاولُ الانفلات من سَجَّانِها الصَّبْر ، لتنعمَ بحرية التعبير عن رأي لا اخشي بما يعنيه أشخاصاً مسؤولين عموميين وجهات لومة لائم ، وهنا أدركتُ أن حَدَسِي لم يُخطئ حينما رأيت  "ماري" قد تكون من نصيبي إن قبلت بشروطي

، إذ سَبَقَ جمالها لدغدغة وجداني ، وصادني زُرْقُ عينيها لاستسلمَ لعوارضها اللؤلؤية البياض كي تمضغني بعد استئذان شفتيها الممتلئتين بما للرغبة من مقدمة التحامِ ، طائعة لصاحب الصولة والصولجان الحب الطبيعي البريء ، وإن أنهَت كلامها بآهة تخفِّفُ بها وطأةَ الحرمان ، فذاك دليل عن إحساسِ إحساسِها بإحساسٍ يَحِسّ ، وذاك مدخل لمعرفة انسجام المعنية مع حقوقٍ إنسانية ثائرة على جور مُسلَّطٍ عليها ، في محاولة لاجتثاث مؤثراته المضرة ، بالحياة العادية السليمة ، من شوائب الطفيليات حليفات ظروف استثنائية ، يتحكم في توجِيهِهَا وتَوَجُّهاتِها الخَصَاص والاحتياج لا غير، اما المحنة فموضوع آخر أكثر تعقيداً ملتصقا بعوامل معاناة نفسية ، قد تعالج منه لكن بأسباب تقويضها لتصبح بدل محنة حالة مريحة . فقلت لها بصوت هدوؤه لا ينفي جدِّيته ، قد لا يتخذ المقارنة بين ما سمعته على لسانها وانما يلمس ما يجمع المواضيع في موضوع واحت تخت عنوان تغلب الشر على الخير أحيانا واستعلاء الظلم على ابرياء لا ذنب لهم غير تواجدهم في عصر ليس عصرهم مما سبب لهم بعض الإحباط :

عزيزتي "ماري" ، المِحنة حالة لفقدان التوازن الفِكري والتطاول غير المدروس العواقب عبر خيال متهوِّرٍ لمَسْكِ الهواء ، واقتناء المشاكل كضرورة لمواصلة العيش وفق مستوى يؤدي عكس الواقع لمَضْغِ الماء ، وحلم أسود يفتقد الإنارة كلما ازدحم بمتابعي الأحداث الرَّهيبة فلا شيء فيه ينفع سوَى تصوُّر الإشارة الخارجة عن نطاق كل العقلاء . المِحنَة تدارُكٌ متأخِّرٌ لفحصِ أفعالٍ ترتَّب على إثرها تخبُّط الأضداد بحثاً عن خَلاص يُعيدُ للتَّرتيب أهميته وليس الإقصاء ، الحياة موجودة للمُنَظِّمين السَّير معها وليس فوقها أو تحتها إذ لها من الإمكانات ما تنغِّص بها عقليات سابحات بلا عِلمٍ في الفضاء ، فلكل عالمه المُقيَّد باسمه ومستواه بلا قفز لإدراك البعيد كل البعد قصد ضمِّه بغير إرادة العلياء ، فأحياناً الصعود أسهل من النزول لمن سُمِح لهم بالارتقاء ، والغالب أنَّ الهبوطَ مصيره الاصطدام المتبوع بالتفتُّتِ جُزئيات موزَّعة عَبْرَ الأرجاء ، القريبة كالبعيدة المحدَّدة بمقياس العُلُوِّ الشاهق لمعاينة فوة الارتطام بحضور الخبراء .

… حتى الذباب ذكاؤهم يؤكد الاختيار السليم المحدود بمهمتهم الوحيدة غير القابلة لمن يمسها من الدخلاء ، نقل الجراثيم والإعلان عن التعفن والتجمع على الآسن وامتصاص قيح الجروح لتتطوَّر عِلَلُها ويتقوَّى التدَمُّر من الذين تركوا اختصاصهم ورحلوا لتنظيم متى وجدوا الدافع المادي أضخم لقاء . الذباب حاضر بكثافة يرفرف بأجنحته كمكيِّف هواء للمتربعين على منصة مشيَّدة على مستنقع تتصاعد منه روائح الإهمال تساعد جفون الشرفاء على البكاء ، وتلك محنة “الشمال المغربي” (من حيث أتيتُ) الكُبرَى دون حصرٍ أو مسحٍ أو إضافةٍ أو استثناء ، الناحية المتروكة في قارب بلا بحر ولا نهر فوق موقع يزخر بالخيرات جمعاء ، تحتضن الفقر ظُلماً وتجوب أرضها مصائب المِحَنِ و بعض سماسرة النفاق الحاملين للاستفزاز المدفوع الأجر البطائق الخضراء. (يتبع)

(الصورة : الساحة الكبرى قلب بروكسيل التجاري والسياحي وإحدى أجمل ساحات العالم)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /7

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /7

تطوان : مصطفى منيغ

... خرجتُ مِن البيتِ ذاك الصباح باكِراً، ولم أكن الوحيد فالشارع يعجّ بالقاصدين مقرات عملهم قد أكون بينهم متأخِّراً ، عن انسجامي بعادات مثل الشعب العامِل على خدمة وطنه مُفتخراً ، مادام الأمر متعلق بمضاعفة إنتاج الناتج القوي يتطلَّب ما لم أكن له مِن قبل ناظِراً ، أقارن ما تركتُه من حيث أتيتُ والماثل حولي والكل فيه متحرك بانتظام مثالي سائِراً ، صوبَ هدفٍ يشغِلُه عن كَسَلٍ وَجَدَ في بعض البلاد مُستقَراً ، فَحوَّلها لِمِلْكِيَةِ قِلَّةٍ بَرعَت فيما جَعَلَ الفساد خلال مرحلة حُكمها منتَشِراً ، يكفِي تتبُّع أي كان "هُنا" لِتَلَقِّي درساً يغني عن قراءة عشرات المؤلمات حول كيفية بناء دولة لها نِعْمَ المستقبل ناصِراً ، على كل تَخَلُّفٍ صُنَّاعُهُ أصناف بشر سكتوا على الناهبين لمقومات شعب ليظلَّ مقامهم عامِراً ، بما لذَّ وطاب وَسَطَ فضاء مِن المادين أيديهم لالتقاط رغيف جاف نتيجة الرضوخِ قَهْراً ، لاتخاذ مثل التعامل المشين والظلم الأسود مَصيراً ، والناس خُلِقُوا للتعمير المشروط بانضباط التوصُّل بحقوقهم كاملة كالواقع "هنا" في المملكة البلجيكية دليله حاضراً. الفرق شاسع والبون ساطع بين الراغبين في العيش الكريم والطموح السليم وذاك المفرِط في الانتظار بين مسالك المطالبة بالحق المشروع حائِراً ، تجاه ليل طال وتعنت على الأكثرية مال من لدن المُتوَلِّي مدبِّراً ، لشأن خاص على حساب العائد للعام محاصيل زرع كانت او عائدات أثمن المعادن بعرق المغلوبين على أمرهم استُخرِجت أو المُشيدة من أفخم العمارات وأكثرها سِحراً.انتهيتُ في تجوالي الطويل إلي الشارع الذي ارتَبَطَ أساساً بتغيير مجرَى حياتي ، حيث بدأتُ فيه مرحلة تكويني النظري في مجال الصحافة المكتوبة ، على أساس علمي  مقروناً بالتطبيق على بساط الواقع  خطوة خطوة ، ويتعلق الأمر بشارع "بِرْسِيلْ" ومعه الممر الحامل نفس الاسم ، الذي شكَّل محور هيكلة معمارية جديدة ، بإعطائه طابع الحداثة الرّافٍع مِن مقامِ العاصمة بروكسيل إلى مظاهِرِ العصر ، إلْحاقاً بالتقدُّم والتَطوُّرِ الشاملان مجالات العمران ، بصفة مازجةٍ الجديد بأصالة أمكنة لها بصمات شهيرة في إثراء التاريخ الحضاري للمملكة البلجيكية  ، بما يضيف على الحَسَنِ الأحْسَن ، المواكب لجيل يريد إتمام ما تركته الأجيال السابقة من انجازات ، لتأكيد استمرارية خدمة هذه المدينة المحبوبة من طرف الأوربيين لسبب سنأتي على ذكره بالتتابع إن شاء العلي القدير ، فبالإضافة إلي تجديد المبنى الضخم للصندوق العام للإضخار والتقاعد (  DGER)  ، هناك عمليات شتى لضمان توسيع وتنسيق ما بين المباني الخاصة وباقي الأملاك العمومية ، منها البناية التي مكنتني من التخطيط لنفسي في تلك المدينة وللمستقبل المنشود ، لأكون ما أنا عليه حتى الآن محترفاً الصحافة ، مُلزماً بإتباع تقنياتها عبر التحولات التكنولوجية ، التي جعلت منها ألان عميدة الاعتمادات الحاكمة على تقدُّم الأمم ، وتقريب بعضها لبعض وكأن الدنيا دولة واحدة ، تظم الملايير البشرية الناطقة بالآف اللغات ، تلتقي جلها على مخَلَّفات المعلومة ، مهما كانت تخصّ الحياة في أدق أسرارها ، أو محاولة استكشاف معالم الآتي ، بتعاون ما تحقَّق وما يتحقَّق ساعة حاضرة بأخرى لا زالت في طيِّ الغيب ، المقصود بالبناية مفر " وكالة وتوزيع الصحافة"(AGENCE ET MESSAGERIES DE LA PRESSE / AMP ) العائد تاريخ تأسيسها الى السنة 1885 الميلادية من طرف "لويس برتراند". وأقف مقابل واجهتها الرئيسية لأقرأ إعلانا عن احتياج الوكالة لموظفين جدد ، دون أدنى تفكير وجدتُ نفسي أمام المكلفة باستقبالي حينما أُشْعِرَت بالأمر من طرف أحد حراس مدخل مكتب الإدارة ، تطلب مني الإجابة على بعض الأسئلة تتعلق بجنسيتي ومستواي الدراسي واللغات التي اتقتها نُطقاُ وكتابة ، بعدها مدتني بكتاب مفتوحاً على صفحة معية راغبة أن أقرأ وبصوت عالي ما جاء مكتوبا فيها ُ، ثم أوقفتني مقدمة لي قلماً وورقة حتى أكتب مسودة طلب العمل ضمن موظفي الوكالة ، وأخيرا ضغطت على زر الجرس وما هي إلا ثواني حتى جاء شخص وأمرته بإحضار الآنسة "ماري" ، وبإطلالتها عرفتها بشخصي راغبة  مصاحبتي لمقر عملي كزميل لها ، في جناح المكتبة الفرنسية ، واطلاعي على تقنيات المهام التي سأتكلف بانجازها ، ابتداءً من الغد انطلاقا من الثامنة صباحا ، نهضتُ لأسير خلف "ماري" معلمتي في تلك البداية السعيدة بالنسبة لي ، لأقفَ خلال ساعة كاملة على كيفية أداء العمل ذي الوجه الأكمل ، والخطوات الواجب عليَّ قطعها قائماً بواجبي ، وأنها حسب كلامها سترافقني في الموضوع لمدة اسبوع كامل ، بعدها سأتدبَّر المسؤولية بمفردي . ترى هل سأنجح ؟ .(يتبع)

(الصورة : شارع بِرْسِيلْ)    

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا


الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6

تطوان : مصطفى منيغ

أعلنت وزارة الداخلية عن رغبتها إجراء مباراة لتوظيف عددٍ محدود من الشباب ذكوراً وإناثاً ، وتعيينهم بعمالة (محافظة) إقليم تطوان ، اغتنمتها فرصة فتقدمت اجتياز الامتحان لأنجح بأعلى درجة وأكون الأول على رأس المشاركين جميعهم ، فعيِّنتُ كاتباً إدارياً مكلفاً بالمجلس الإقليمي كما ابلغني بذلك السيد محمد بناني رئيس قسم الشؤون العامة بنفس العمالة ، ألا أن هدفي كان الحصول على جواز السفر لإتمام رحلتي مع التخطيط الذي فضَّلت إتباعه أولاً وأخيراً ، أن أغادِرَ المغرب إلى المملكة البلجيكية ، ولا أعود إليه إلا وقد حقَّقتُ ولو جزءا مما كنتُ أطمح إليه صحفياً مرموقاً  له الكلمة المسموعة إن تحدث ، والمقالة المؤثرة إن كتب ، يرقَى بمهنة المتاعب الى وسيلة بناء مهما كان المجال ، والمساهمة في تغيير حال ، إن كان عن حسن تدبير صوب السلبيات مال ، دون وجل من أشباه رجال ، استغلوا نفوذ مناصبهم ليحققوا لمصلحتهم ما يوفره الحرام من أوسخ الأموال ، وهذا ما وَقَعَ بالفعل حيث منحني عامل (محافظ) الإقليم السيد امْعَمَّرْ اليعقوبي ،  ذاك الجواز يداً بيد ، وهو نفسه الذي منعني من هذا الحق مرات سابقة  ، واليوم وبمجرد قطعي الخطوات الأولى أجدكِ تسبحين بي في بحر ما كنتُ أتصور الاقتراب إليه ، بالأخرى أن أوضَعَ وسطه وأنا لا أتقن العوم بالمرة ، وكما ترين عزيزتي طريقي ليست طريقك ، وفكري مشحون بتلك الآمال التي إن أنجزت ربع مضامينها لكنت أسعد إنسان ، حقيقة هنا بهذه الدولة لا مجال للتقهقر ، أو التخلي عن حلم قابل للإنزال على قاعدة واقع ، إن صدرَ عن عقلٍ سليم صاحبه لا يقارن الواجب أخذه كحقيقة خادِمَة لمصالحِه الشخصية (بما هو طبيعي لا يتخلله أي التواء أو تحايل على القانون) ، بالاتكال العقيم على كاهلي عَرَقِ صاحبتيهما المجتهدة الجادة في مسعاها مثلك ، سأظلُّ مديوناً لجميلك عاملاً على تسديد كل فرك كنتِ السباقة لصرفه عليَّ ، لطيب قلبك ونقاء شيمة تربيتك ، بصرف النظر عن الوسط الذي تربيتي فيه ، غربيا كان أو وسطياً أو شرقياَ لا يهم ، مادامت إنسانية الانسان واحدة ، خيِّرة بالفطرة أو شريرة بإتباعها  شهوات الشيطان .

... بدأ الغيث يتساقط ، وكم كنتُ توَّاقاً للتعرُّف مباشرة من الداخل ، على تلك الحديقة الفضفاضة ، المُعرَّضَة لعناية خاصة كما يبدو ، حفاظاً عما ترمز أليه من ذكرى أيام خوالي ، حيث أراد بها الملك ألبرت الأول تخليد اسم زوجته الملكة الزابيت ، وجاء تصميمها على يد المهندس المعماري فيكتور بيسم انطلاقا من سنة 1868 ميلادية على مساحة تقدَّر بسبعة عشرة هكتاراً ، كأفضل مما دأب البعض من الطبقات البرجوازية في بعض الدول الأوربية وغيرها غبر العالم المعروف لذاك الوقت ، حيث كانت الهدايا  تجاوزت تقديم الحِلِيِّ والجواهر الثمينة ،  إلى قطعٍ أرضية شاسعة يتفنَّن مَن أهداها لإبراز قيمة المُهداة لها ، وتلك عوائد طوتها حداثة عصور متتالية ، أوصلت الفاعل لمن لا يرضون في قرارة أنفسه بتكراره ، ولكن الأمر هنا مختلف ، إذ هو الوفاء لوصايا رواد ذاك الجيل المؤسِّس لحد ما ، بداية نهضة نقلت المملكة البلجيكية الى ما هي عليه الآن ، وقد فاض الخير عن حاجتها فأضحت فاتحة أذرعها للآلاف من مهاجري العالم الثالث ، على اختلاف أسباب هجرتهم ، أولها عدم المساواة في تلك الدول الحاكم فيها جشع الاستحواذ على الثروات الوطنية ، من طرف قلة كلما مر عليها الزمان كلما طغت وأفسدَت وحسبت ما دونها من البشر بكونهم مجرد عبيد .

اقترحت عليّ رفيقتي التوجه لمطعم يقدم الإطباق المحلية الشهية طعمها بلجيكي لا تُنْسِي مَن يتذوَّقها لذَّة تارِكة على لسانه رغبة العودة لتناولها من جديد كلما أحس بالجوع ، وما كان علي ككل مرة الا مباركة أي اتجاه تقصده لتنفيذ أي فكرة تطرق إرادتها ، خاصة وأنا لا أملك سببا للمعارضة ما دامت جيوبي فارغة وحاجتي لمثل الضروريات تفرض علي أن أكون تابعاً ريثما أدبر أموري بما يضمن استقلاليتي وفرض اختيارات على مثل الإنسانة التي لحد اللحظة لا أعرف عنها شيئاً ولا ما تحضِّره لي من مفاجآت ، المطعم من أفخم ما رأيت لا يمكن أن تتخيل نفسك بداخله الا وأنت في العزيزة الأصيلة بلجيكا وأمامك ما يجسم المناطق معالم التراث الحضاري لهذه الدولة المعتزَّة بشخصيتها الفريدة من نوعها ، أما الأطباق فتدعوك عن بعد كقرب لالتهامها بغير السؤال عن مكوناتها كما حصل معي ، صراحة المكان يستحق التنويه مهما كلف من مبلغ يجعلك تفكر في دفع أكثر ، وأخيرا وصلنا للبيت والمطر لا زال يهطل ، يغري بالارتماء على فراش مثل الذي ارتميت فوقه بالأمس وإطلاق العنان لغيبوبة تلوِّنها الأحلام بالعيش وسط أمنيات من المستحيل عيشها على ارض الواقع حالة استيقاظ ، وقبل أن تغادر منحتني مبلغاً محترماً من المال  ، وجدته بعد عده خمسة آلاف فرنك بلجيكي ، وهي تقول لي :

- سأغيب بضعة أيام في عمل أؤديه بالعاصمة الفرنسة باريس ، إذا احتجت لأي شيء اتصل بالرقم المكتوب في المذكرة الموضوعة بجانب جهاز الهاتف وخذ معك (كلَّما خرجتَ) عنوان البيت ، ربما تتوه فتعطيه لأي تاكسي صغير يوصلكَ ثانية إليه ، أتمنى أن أجدكَ بعد العودة إليكَ وأنت في أحسن حال .

... صراحة لم أجد غير كلمة شكراً مرفوقة بنظرة تؤذي أبلغ رسالة موجهة لقلب تلك المرأة اللطيفة ، التي حيرني كرمها الحاتمي ، بل وشككني في نواياها الدفينة ، خاصة وقد صورتها مسؤولة لجهاز مخابرات أجنبية تحاول اصطيادي لأكون احد عملائها ، إذ المسألة تبتدئ بمثل التصرفات  ، لتتطور لمصائب تؤدي لأوخم العواقب ، لذا قررتُ حالما أقابلها من جديد ، أن أضعَ حداً نهائياً لمثل الغموض ، وأفكِّر في مستقبلي الذي جئت هذه الديار لأبدا في زركشة توقعاته الكفيلة بتغيير مجري حياتي الى الأفضل . (يتبع)

(الصورة : الملكة البلجيكية الزابيت)

                  مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 5

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 5

تطوان : مصطفى منيغ

أجابت وبسرعة ودون تريث ، قائلة بثقة عالية في الوصول لمبتغاها :

- الدنيا وِعَاءٌ فارِغ ما لم نملأه بما نَرْتَكِب من خطايا أو حسنات ، ومهما ضاق بما كدَّسناه بها يزداد اتساعاً من تلقاء ذاته دون إضافة تلقائية أو غيرها لحجمه من طرفنا أو تدخلات ، وكلما (هذه الدنيا) ابتسمت لنا نجاحاً نحقِّقُه أو ثروةً نجمعها عمَّقنا غرورنا في وَحَلِ طَمَعِ الزيادة بلا حدود لما نطمح إليه من غايات ، باختصار شديد إن لم نُدْرِك أن هذه الدنيا تضحكُ منا لِتُضْحِكَ علينا الآخرين انتظاراً لمن سيضْحَكُ عليهم بالتتابع لوجدناها سلسلة بدايتها رأس أفعى ونهايتها خليط من عقوبات ، تُقِرُّها ما لم نعرفها (إلا مُؤخراً) من محاكمات . حينما التقيتُ بكَ ضننت أن الصدفة بالفعل قائمة وليست حلاً منتشرا بين الطرقات ، تُضْفِي على غير الحاسب للأقدارِ حكمة تخطيطات ، فتح بصائر الباحثين عمَّن وضعوها في خانة المستحيلات ، ليتَأَتَّى لهم التفسير الصحيح لمهام العمل بالنِّيات . لذا أؤكِّد الآن أن تلك الصدفة مُدبَّرَة لتقديم تَحَوُّلٍ مُقَدَّرٍ مُسبقاً أن يحصلَ وعليَّ أن أتعاملَ مع الحدث بكونه مُوَجَّه لصالحي وليس لغيري رغم أنف الدنيا وفخَّ وعائها .  وإلا بما أفسِّرُ رغبة أقاربي بمدينة "دنهاخ" أن أظل تلك الليلة بصحبتهم فرفضتُ عكس عادتي معهم منذ سنوات ، وبقائي في تلك المقهى حالما وصلت من محطة الشمال للسكك الحديدية لاستمر بوسيلة نقل أخرى لغاية محطة مِدِي لأدخلها وكأنني على موعد مع شيء أجهله تعرفت عليه بمجرد رؤياك لأدعوك عن طيب خاطر وأقاسمك الحديث بل لأرافقك برغبة مني إلي بيتي الخاص وأدعك تستريح لإحساسي أنك تستحق مني (لسبب من الأسباب) مثل التصرف الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن ثقة أنها صدفة دَبَّرها القدر ، وما دامَت كذلك فلن أفرط فيك مهما حاولتَ الابتعاد عني . فما قولك ؟ .

لم أكن مستعداً لأجاريها فيما تود إقناعي به ، فعمدتُ مخاطباً إياها بأكبر قدر من اللباقة :

- سأصدقكِ القول ليكون ما بيننا إن كان بيننا ما سيكون ، قائما على الصراحة المؤدية بالبال إلى أتَمِّ راحة ، بإعطاء الأسماء مدلولها في الفهم المشترك الخالي من تأويل مبتغاة التهرب بلباقة عن أي مواجهة حتى وإن كانت حبِّية لحدٍ ما ، شخصياً لم آت لغاية هذه الديار الكريمة لأعشق إحدى بناتها البلجيكيات ، التي مهما كان أصلها وفصلها حاملة جواز الجنسية  المحلية ، المُحَصَّلَةُ عليها تكون مخلصة للواء البلجيكي ، ملبية نداء واجب الدفاع عن وطنٍ جذورها مزروعة في ثراه ، تُضاف لذلك شهادة ميلاد ، أو متعاطفة عن جدارة مع حقوق تتمتع بها وفق قانون الانتساب البعيد عن أي التباس ، أجل ما أتيت قاطعا بحورا وأراضي دول ، متحملا مشاق مغامرة باعتبار قلة المال في قطعها تعد مجازفة ، قد تنتهي والكل في سلام أو لما لا يُحمد عقباه ، ليكون أول انجاز أقوم به وخلال 24 ساعة من إقامتي في بلجيكا ، عشق امرأة حتى وإن كان جمالها مثلك يستحق تَجلُّداً لا يستطيع الصبر على تقليد صبره إن جال تفكير المعني على فراقه . حقيقة ليس هذا ما أتيت من أجله للمملكة البلجيكية ، بل لهدف اقناع نفسي أن أرض الله سبحانه وتعالى واسعة وما فشلت في تحقيقه في من تركتها خلفي ، سأحققه هنا ، مهما قطعتها من مراحل انتظار وتعلم وعمل وتوفير ، دون أن افقد شرف كرامتي ولا أن أعيش مكسور الجانب محطَّم الشخصية ، العشق بالنسبة إلي ما دام مِلْح الحياة فالأخيرة تحتاجه ليضاف لعوامل أخرى سيدها المعاشرة بالحلال ، تلك المعاشرة التي تجعل الرجل المسلم الآمر بالصرف على متطلباته الشرعية ومن عَرَقِ جبينه . حَصِيلَةُ القَوْلِ لستُ الشَّخصَ الملائِم الذي تستطيعين الحياة معه (كما تقتضيه العادة هنا)على هواكِ ، إن كنتُ محسوباً على المثقفين المتحرِّرين ، فلم تُغادر عقليتي ما رُبيتُ عليه بدءً بالعائلة والكُتَّاب ، ووسطاً بالانتساب المُباشِر لمدرسة المجتمع المحافظ  ، إلى ذاك النضال المُكْتَسَب عن أساتذة كبار مثل المهدي بنبركة ، وزملاء رفاق مرحلة الجامعة ، مثل محمد الحلوي وبرادة وغيرهما من المنتمين للإتحاد الوطني لطلبة المغرب ، حيث كنتُ مسؤولا عنه في منطقة الشمال بمكتبٍ أديره من ساحة الفدان الكائنة بمدينة تطوان ، نِضَالٌ  يَرَى التَّغيير أساس التحرُّر ، من مخلفات أكلَ الدهر عليها وشرب لا تَسر ، وللتغيير المقصود ثمناً مرجعيته الوَعْي ، واندفاعه تخطيط لما قد يقع عن واقع وليس خيال ، ومسؤولية احتماله مشحونة بإرادة لا تؤدي للمهالك ، فليست العزيمة مستَمِدَّة قوتها من تهورِ حماس لا قدرة له على أي مواجهة ، مادام النقيض حليفه ظلم الاستبداد وطمع الهيمنة ، وذاك المَقام المُطِلِّ على الجميع ، ليتبيَّن مَن معه للترحيب به ومن ضده لمطاردته ، شخصيا كنت من الصنف الثاني ، بمعنى حرماني الأكيد من أبسط حقوقي ، ومنها حصولي على جواز السفر، كلما طالبتُ بذلك يتم الرفض بكيفية استفزازية ، ولا أحد قادر لتغيير مثل المنكر ، فأقسمت أن تكون تلك الوثيقة في جيبي أعبر بها نحو المملكة البلجيكية ، وممنوحة لي من طرف مَن منعها علي . كيف تم ذلك (يُتبع) .

(الصورة : ساحة الفدان الشهيرة في مدينة تطوان)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

السبت، 31 أكتوبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4

تطوان : مصطفى منيغ

سألتني مِن جديد :

- كيفَ تَمَّ عبوركَ إلى أن وصلتَ بلجيكا لتستقِرَّ الآن فوق قلبها النابض بروكسيل ؟ .

أجبتها مُظهِراً أنني غير منزعج من تواصلِ أسألتها وكأنها تدقِّق ، ليس عن السبب وحسب بل المُسَبِّب لاتخاذ مثل القرار المصيري داخل صياغ المنطِق :

- أشبِّهُ  في ذلك ذاتي كورقة من غصن زيتونة سمراء الحبات أسقطها الربيع فوق أرض يابسة من شمالية المناطق ، ليجرِفَها سَيْل تَجَمَّعَ لِيَشْتَدَّ سريانه دون مَطَرٍ ساقِط بالتَّدقيق ، ليستقبلها بحر إسبانيا المضطرب بأزمات لتلك الأراضي الأندلسية مُختَرِق ، فتتبع سبيلها فوق محيط فرنسا الهائج لن يقدر عن الضوضاء أن يُفارِق ، لتصل الى نهر بلجيكا الهادئ اليَمِّ  لاستقبالها كممثِّلَة لذاتي بِيُسرٍ يُوافق ، على أمل أن تعود لأفنان أي زيتونة لحبَّاتها المَيَّالَة للبياضِ تُعانِق .

بأدب جم في حديث صادرٍ عن أنثَى مُدَلَّلة ترَى في حُسنِها الخارق ، المتحَكِّم دون وساطة ولكل حدود عدم الانبهار بها حارِق ، مما يجعل مداخلاتها بمثابة أوامر تُستقْبل دون أن يكون لسانها بها ناطق ، يكفى نظرة لتصبغ باخضرار جفنيها عقل أي شاب يتَّخِذُ حياء أصله أهم عائِق ، لتبادل انجذاب نحو رحابة الرغبة بأخلاقه السمحة تضيق . كان سؤالها هذه المرة :

- وكيف وجدتَ بلجيكا عامة وبروكسيل خاصة وأنا أيضاً إن كنتَ معي كما وضعتك في مستوى ذاك المُحِق .

 أجبتها بلغة فرنسية عن قصد لا لُبس فيه لتعلمَ مُسبقا أن المتكلمَ بها دون خطأ على الإطلاق ، يكون أدرى بأهلها الأصليين ولو اختلفوا من حيث الإقامة والانتساب ، يُعرَفون بنكهة منطوقِهم للجُمل ، فالفرنسي بها ليس كالكندي أو البلجيكي ، فلكلٍ منهم نكهة وطبقات مخارج حروف أصوات غير مطابقة لبعضهم البعض ، وحتى تفهمَ أن فرنسيتها ليست بلجيكية بل أتت بها من الخارج وليس المغرب تحديداً ، فأجيب بما مضمونه الأتي :

وجدت بلجيكا لا زالت تنظِّف أطرافها مما صنع بها أدولف هتلر من أضرار  انطلاقا من 10 مايو سنة 1940 وما أعقبها من احتلال ألماني لترابها لغاية  1944  ، ما كان تجاوزها بالأمر الهين بل هي تضحيات شملت كل طبقات الشعب لإنقاذ الهوية المحلية من التلف المُحقَّق ، فالبدء من الصفر بعزيمة تضعها موضع النموذج المُحتذى به في صناعة مستقبل ضامن استقلالها فارِضٍ موقفها الحق ، من قضايا لا تترك ثغرات لتتسرب منها مطامع غرباء عن احترام صلاحية الأهالي لاختيار ما يناسبهم أو يروق ، وبذلك أصبحت بلجيكا بمثابة شعب عامل شديد الإخلاص لما يضيف لبنة من لبنات التقدم والازدهار مع ترسيخ قوة مانعة لحصول ما حصلَ من ضياع للحقوق والأرزاق ، وإن كنتُ عديم الاطلاع حتى الآن باستثناء ما رأيته يُؤكد عظمة تطلع مواطني هذه المملكة لفرض وجودها بما شيدته من معالم ومنها هذه المحطة "مِدِي" للسكك الحديدية ، ومع الوقت سأكتشفُ ما يجعلني أرتاح لإقامتي هنا ما مكَّنني القدر من زمن قد يقصر أو يطول . أما عنك هي قادم أيام حتى أستطيع الوقوف لتقييم  إن كنتُ استحق حَظَّ معرفتك ، أم سيتطور الأمر لبناء ما أودُّ بناؤه على مراحل بعرق جبيني ، كما تقتضيه عادات وتقاليد الأرض الشريفة التي أتيتُ منها ، حيث الرجل تلزم رجولته عدم الاتكال على امرأة مهما كانت واضعة ما تملك تحت تصرفه ورهن إشارته ، أنتِ (ولحد الساعة) إنسانة لا يهمني جمال محياها بقدر ما سيطرَت على عقلي إنسانيتها ، إذ ما شملتني به من عطف يجعل ارتباطي بها ذاك الحلال الطبيعي الآتي عن توافق يديم العشرة ويقوى اليقين أن هذه الأرض تساعد قولاً وفعلاً ، على تبسيط المُبَسَّطِ لإنشاء أُسَرٍ قائمة على تعزيز المحلي بما يعود بالنفع على الصالح العام مهما كان المجال ، أنت لستِ امرأة عادية بل تتمتعين برؤية بعيدة لتحقيق الاستقرار والسعادة ، بعدما منحتك الظروف كل حاجياتك المادية لتعيشين كما تريدين غير ممدودة اليدين لاقتناص زيادة لا تليق بمقامك ، قد تكون هذه اللحظة بداية انسجام بيننا أو فراق مفعم بالاحترام المتبادل والتقدير التام لما صدر عنك في حقي .

... انتبهتُ اليها لأتمعَّن في دموع تطل من حدقيها تمانع الانسياب فوق حدين موردتين بلون شابة فضحتها الحاجة لعاطفة من شكل خاص ، يحن لرنين أوتار كمان في مَقامِ الصَّبَا ، تُراقص الروح رقصات إشباع غير منقوص ، التحاماً كأقصَى مُراد مع مَن تتمتَّع داخل جسده بنفس المزايا ، وفي ذلك يكمن ما يصدر عن مهجة صاحبتها الموجودة بجواري لا زالت عذراء ، قد تساعدها حرية الغرب المتقدم في احترام حقوق الانسان على عامل الانتقاء . فسألتها :

- ما سر هذا التجهُّم المفاجئ وأنت لا زلت على أول الطريق في عالم يرخص لك جرأة العيش كما تريدين لكن بانتظام يحترم طبيعة طرفين وإن كانا متقاربين في الشعور وليس الإمكانات المادية .

أجابت : ... (يتبع)

(الصورة : محطة مِدِي للسكك الحديدية بجنوب بروكسيل)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 3

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 3 

تطوان : مصطفى منيغ

قشعريرة غير مألوفة أحسستُ بها تجتاح بدنِي ، تيارٌ لا يُؤْذِي يُدَغْدِغُ أهَمّ الأحاسيس المُنَبِّهُ لِرَدِّ الفِعْلِ الفَوْرِي أو القاصد التَّأخير لثَوَانِي ، ولمَا فتحت عيني وجدتها أمامي يُلامس كفها شعر رأسي في حنانٍ بنبل يحتضنني ، راغباً في جعل حدٍّ للنوم والنهوض على إيقاع مقاومة تَرَاخِي لاستقبال ما المُلحق المُنجَز ما راودت طموحاتي من أمانِي ، فَتطْرق أذناي جملة "صباح الخير" برنة أرَقّ الأغانِي ، ناقشة بصوت عَذْبِ الصَّدَى على شعورٍ خِلْتُهُ أنْسَانِي .

... ثمَّة مواقف توقيتها رمشة عين عشت تجربتها تُنعِشُ دواخل وجدانِي  ، لا تُكلِّف جُهداً مبذولاً ولا تركيزاً مُسبقاً أصلها عفوية حريصة على الاختفاء السريع حتى لا يُدرِكها العَدّ ألزمانِي ، ولا يحتويها مهما اتَّسعَ الحجم المكاني . قفزت من فوق السرير احتراماً لها خجولاً من حالٍ لتواضع هندام ألْبَسَنِي ، لا يليق بنفس الفراش ولا بأغطيته لكنه الظرف المُلام عما طوانِي ، وكأنني مارستُ السباحة في بحر بكامل بذلتي فكاد انتفاخها يغرقنِي . ظننتُ الفتاة مُقدِّرة أمواج أسفي تكاد لضفة واقع منظرٍ غير لطيف تقذفنِي ، فبدت على بُعْدِ سنتمترات مني ، مرحة عير عابئة بحياء اعترانِي ، فكانت المرَّة الأولي اعثر فيها على مخلوقة بغير نقاش أو توضيح تفهمنِي ، في لحظة وجيزة لطبيعة تعاملي مع الوضع الجديد أعادتنِي ، لدرجة اندمجتُ تلقائياً مع حديث على خُلُقٍ مِثالي يبْقِينِي ، وحركات لا تتعدى قياسات تتجلَّى معها حسنات نية يقيني ، المسالم لما يحصل معه وليس المستسلم إذ مجرد التفكير في الانتقاص من شخصيتي يضنينِي .

خرجنا في اتجاه شارع يعتبر من أرقي شوارع بروكسيل يُدعى (  ANSPACH ) عند مقهى تناولنا فيها الفطار بعدها أخذتني لمتجر شهير هناك لشراء ملابس تليق بشاب ينتظره التألق داخل مجتمع معين وإن كان لا يُقدّرُ الانسان بما يلبس لكنه يستقبل أناقته باحترام أكثر ، وبخاصة تلك الباهظة التكاليف ، القادر صاحبها على تتبُّع صيحات الموضة ، واقتناء المستجدات المساعدة على إشغال الصفوف الأولي داخل مواقع لها وزنها . لم أعارض ما فعلتْه وتفعله ، بل تركتُها تتصرَّف وكأنني أحد أفراد عائلتها الموقَّرة ، التي ولحد تلك الساعة لا أعرف عنها شيئاً ، ريثما أقفُ على حقيقة الأمر ، لكنني كنتُ أحتفظ "بفاتورات" المقتنيات برغبةٍ مُؤكدة أن أعيدَ مقاديرها المالية لمن صرفَتْها لصالحي ، حالما أتوفَّر على عمل وراتبٍ شهري لا بأس به . بعدها كآخر محطة في جولتنا تلك ذاك اليوم المشهود ، اتجهت صوب حديقة (    Le pac Elisabeth)  حيت ركنت السيارة وجلسنا بداخلها لبرودة الجو، لتسألني الحديث عن نفسي والعامل الحقيقي الذي دفعني للهجرة الى بلجيكا تحديدا . أجبتها بالقول :

- أحياناً بالأحضانِ تُسْتَقْبَلُ التَّافِهات ، وبالنفور تُوَاجه الطيبات ، مِنْ نَفْسِ العناصِرِ بالذَّات ، فأيُّ أخلاقٍ هذه تعكس الآيات ، أمِن أجل بقايا فُتات ، مقذوفة في المواسم المعروفة لها محطَّات ، لزُبناء مَحْصِيَة أشكال ما يظهرونها من طاعات ، تُسايِر نفس التِّكرار أم تغيَّرَت فيها صِفات ، داخل موطنٍ لا يقبل التَّجديد وكلّ رافع للرأس مُعاندا بالتَّنديدً رحمة الله عليه فقد مات ، بلا تحقيقٍ ولا معاينة لِما قد تتركه على مسرح الجريمة أية بصمات ، كثير عليه أن يُدْفَنَ مجاناً بجوار إحدى المستنقعات ، غير المُجفّفة عن قصد لإخفاء ما في قعرها من دلائل ويلات ، فَلِتُتْرَك لعصرٍ قادم تُشيَّد فوقها عمارات ، لإسكان المنعَّم عليهم الضَّائع على ألسنتهم السؤال عن الذي فَات ، والحاضر فوقه الشعار الدائم "المفسدون للمفسدات" ، وسَلِم (عن خطأ) مَن فهمَ وأَطْبَقَ على نفسه ب "السُّكَات" ، ليحيا وعياله كالعادة مسلوب الكرامة محتضنا الخرافات ، نافِراً من المُصلحات النَّافعات ، لغاية أجَلٍ لا أجل له محشوٌّ مع كثافة الظلمات ، إلى أن يجدَ نفسه إن دقَّ الفجر الحازم بالحق أنه مضاف لتلك التفاهات منبوذ من سائر الطيبات ، يدور حول نفسه ولا أحد من أسياده بالأمس افتداه ولو بأقل قليل تلك المُخلَّفات ، قبل أن يرحلوا هائمين وقد سُدَّت في وجوههم موانئ البحار والمحيطات ، ومُنِعٌوا مِن التوجٌّه لمختلف المطارات ، ليتسكَّعوا فترة والناس تضحك عليهم في سائر الطرقات   ... الجميل مَن لا يتنكَّر للجميل ، الذي تلقَّاه من الأصدقاء والصديقات ، مهما أوصلَهُ القدر لِما ليس له فيه أدنى اختيار  ، أن يتذكَّر ولو النزر القليل من تلك اللقاءات ، الضاربة (بما تم خلالها من عهود) لبَّ الضمير والناقشة على الوجدان نِعْمَ الكلمات ، والثابتة على العقل باركان الوفاء مهما جرت مِن تغيُّرات ، وأحاطت بهالة الاجتهاد الإنساني النبيل كل الأفكار الزارعة المستقيم لحصاد وفرة الخيرات .

... ثلّة من الشباب كنا لا يفرق بينهم إلاّ الدخول في بعض الأزمات ، حتى لا يدركنا شك السلطات ، الأمنية السرية أم الملحقة بها علانية لنشر مُسكنات ، الآخذ بها محاط وَفَوْراً بالخاصة من القوات ،     الحاصلة على الضوء الأخضر لتكسير أضلع البشر كما تٌهَدَّم المستعصيات ، مِن الأسوار بأمرٍ من حفنة طُغاة ، تولاهم بمثل المناصب الوزير الجنرال أفقير الماسك العصا ودفتر الشيكات ، يداوي هذا بتلك ، وهذه حسب عُقَدِ المزاج بأخريات ، غير تارك لنفس الإدارة وكأنها خلية رهيبة ، يمكن أن تكون أي شيء إلا وزارة الداخلية ، فأي مهنة حابسة لأنفاس الجميع  ، ما كنتُ لأستصيغها ، فقرَّرت العبور لدنيا هذا الغرب لانتقاء الأحسن والأفضل للتمتع بحياةٍ آخرها كبدايتها مسرات(يتبع)

(الصورة : شارع أنْشْبَاكْ من أرقي شوارع بروكسيل)

 

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2  

تطوان : مصطفى منيغ

لم يكن الدافع  للهجرة ، سوى البحث عن أسلوب حياة ، تُواكبُ وعي شاب لمسؤولية التَقرُّب لإنسانية افتقَدَ (حيث أقام) نُبل شيمها وصِدْقِيَة تعاملها مع ترجمة الحقوق المُحصَّل عليها (كشرعية التواجُد عُنصراً ضمن جماعة صالحة مُصلحة ، مُدركة بما يُنسَب اليها القيام به) لواجب مدروسة أبعاده وفق تخطيط يواصل ما وقَف عنده جيل الإباء ، من أعمالٍ تستحق الصيانة أو الإضافة أو إلحاقها بما يتطلبه العصر ، المنسجم مع سُنَّة التجديد المُراد منه التغيير ، لضمان الأجود بدل الاكتفاء بالجيِّد . لذا اخترت المملكة البلجيكية حالما انتهيت من دراسة تاريخها ونجاعة موقعها الاستراتيجي الممثل قلب أوربا النابض بطموحات شعب رغم النطق بلغتين الفرنسية والفلامانية ، في التوحُّد الأساسي المحافظ على تراث الأصل ، والدفاع عن بقائه بإرادة سياسية لا تعرف الخمول ولا القبول بأي كان دون مستوى الشخصية البلجيكية ، المتشبثة أكثر ما يكون التشبث بعشق الحرية والعيش بكرامة واثبات الحضور مهما دَعَا التحضر الانسجام مع وقائع ومستلزمات التطور الواسع الآفاق المحتضن الغير ما دام الخير فوق الأرض وتحتها خصَّ بلجيكا بمقومات الاعتماد على النفس ، وإجادة البناء مع المساهمة المباشرة في إسعاد الناس ، بتوفير الوصول للتمتع بحقوقهم الإنسانية ، وفق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية ولكل شخص قيمة . لم أفكر طويلا حتى وجدت نفسي بمدينة "سبتة" انتظر الباخرة لأعانق جو "الجزيرة الخضراء" ، كأول نقطة سكنية في شبه الجزيرة الايبيربة الشطر التابع لأسبانيا ، واهتمامي كله متعلق بآخر المطاف في رحلتي صوب بلجيكا التي أحببتها قبل زيارتي لها ، وبعد العاصمة مدريد مرورا بالشهيرة باريس يتوقف القطار فاسحا لهذا الوافد الجديد أن يحط الرحال فوق العزيزة "بروكسيل" لأتحسس ما بقي في محفظتي من مبلغ، لكن فرحتي بالوصول الى المقام / الهدف ، شغلتني عما بقي ولا يكفي كأجرة مبيت في أدنى حجرة لأرخص فندق ولو لليلة واحدة . الجو ممطر كان والبرد يكاد يسقط عوارضي من كثرة اصطكاكها ، ما ارتدي لا يناسب الفصل الذي ما حسبت فساوته ‘ الجاعل من بروكسيل مجمع غير محدود من الفارين لبيوتهم أو أي مكان يقيهم من الرقص التلقائي داخل فضاءات لا يعرف فيها الا مقهى شكلت لعقله الحل الوحيد انتظارا لطلوع فجر جديد الأول له في تلك المدينة الرائعة ، التجأت أيها ومن الباب راقبت داك التكدس المستغل لكل الكراسي ، وما هي الا لحظات قليلة من الترقب رأيتها تشير الي ملوحة بيدها وكأنه في بياض بشرته قطعة من مرمر ابيض غير مألوف في مناجمنا حتى الكائنة منها في بعض قرى  مدينة صفرو القريبة من العاصمة العلمية للمملكة المغربية فاس ، لم اصدق بادئ ذي بدء أنها في ذلك تعنيني ، الى أن تيقنت بعد شديد إمعان أنني المقصود بتلك الدعوة المُرسلة بتلك الإشارات اليدوية المرحبة بمن رأته يكاد يرقص على أنغام موسيقى البرد ، قصدتها عن طيب خاطر فطلبت مني الجلوس فوق كرسي بجانبها بل ولتأمر النادل بإحضار فنجان قهوة وقطع من الخبز محشوة بأصناف لم اتبين منها الا الجبن أما الباقي لم اعر له الا اهتمامي بلذته والجوع يرحب بالتهامه في صمت غريب مشوب بفرحة مثل الحلول لأعْقَدِ مشاكلي الآنية آنذاك ، سألتني إن كنت مغربيًا: - أجبتها وكيف عرفت ، قالت : - لآني مثلك أصلاً وجذوراً ، نزَحَت أسرتي الى هنا بعد استقلال المغرب مباشرة ، ليؤسِّس والدي تجارة أستطاعَ بها أن يحقِّق وجوده بين تجار هذه المدينة ، واكتفينا معه بما أردناه بيتاً يضمنا ومناصب شغل لكافة إفراد أسرتنا الصغيرة ، ووفرة مادية تقينا الحاجة لو انقلب علينا الزمان بصروفه غير المرغوب فيها أصلاً ، وأنتَ ما حكايتك ؟ :  

- حكايتي (قلتُ لها) حكاية كل باحث عن وضعية مريحة أساير بها مرحلة أعتقد أنها ستكون الأهم في حياتي ، معيشةً وتعلُّماً وتأسيساً لنواة عائلة أستقرُّ بها كحقٍ من حقوقي الإنسانية لا غير . سألتها :

 وأنت مَن أجلسك في هذه المقهى و التوقيت غير مناسب لمن له بيت وأسرة في هذه المدينة ؟ .

- ابتسمت وعيناها لا تفارق عيناي : ربما قَدَرِي ، كنتُ في "لاَهَايْ" الهولندية مؤدية واجباً يقتضيه عملي ، وعند عودتي من هناك ، قرَّرتُ الاستراحة قليلاً قبل أن أواصل طريقي نحو البيت ، وأنت ؟ :

 فاجأتني بمثل التوسُّع في الحديث ، ما أنت فاعِل ؟ :

 - لا أدي قاطعتها بتلقائية وعفوية تثير الدهشة  .

 نهضت لتؤدي ثمن المُستَهلَك من طرفينا شُرباً وأكلاً ، وأخذتني من يدي متجهة بي نحو سيارة لاستقرَّ داخل بيت لا أحد فيه سوانا ، أطلعتني على جميع مرافقه ، من الحمام الى المطبخ الي قاعة الجلوس الى حجرة النوم ، مانحة إياي مفتاح نفس البيت متمنية لي قضاء ليلة سعيدة ثم غادرت على أمل زيارتي لتناول وجبة الإفطار معا غداً صباحا .

... لم أستطع مقاومة العياء وأقصاه عياء القلق مما هو حاصل غداً مع الفتاة اللُّغز ، التي مهما عصَّرتُ فكري لن أصلَ الى حقيقةِ تصرُّفها معي ، على هذا الشكل الذي أعتبرُ وقائِعه يفوق تهيؤات الخيال ، البارع في تصوير ما لم يقبل التَصَوُّر ولو في الأحلام ، قد تكون ملاكاً يمشي على الأرض ، أو جنية سكنَت جَسد إنسانة بريئة ، أم هكذا المتشبعين بأخلاقيات البلجيكيين المتطوعين عن حسن نية ، لمساعدة المحتاجين وخاصة مثلي في أوقاتهم الحرجة . مسألة أنستني متعة الكَرَى وإغراء هذا الفراش النقي الوثير المكيَّفة الحجرة حيث وُضِعَ ، الأنيقة المرتَّب ما احتوته من كماليات بتنسيق في الألوان ووضعيات لا تملُّ العين من مشاهدتها ، كتلك التي طالما شاهدتها في أفلام تُظهِر مقامات أثرياء هوليود المحيطين عالمهم الخاص بالغالي الثمين ، المساعد على النوم العميق المريح الخالي من التهيؤات المزعجة ، لاسْتَخْلِصَ لمقولة غير غادية ، "دعني أبصرُ غرفة نومكِ لأعرفَ من تكونين" ، ومِن هنا تيقَّنتُ أن الفتاةَ مِن الغِنَى ما يجعلها مِن عالية القوم ، تحيا سِراً لن أرتاحَ حتى اعرفه جملةً وتفصيلاً .

... طبعاً فرحت بنتيجة ما أوصلني إليه قدري ، ومنذ الليلة الأولى من مقامي المُحَقَّق في العزيزة بروكسيل ، حتى وإن كان الغموض أحياناً يجرني للحيرة ومعانات الشكوك . قد نعيش مثل  اللحظات المدرجة في خانة المستحيلات ، ولا نهدأ بتاتاً فالاكتفاء بالامتداد فوق حصير داخل كوخ غير صالح للسكن ، يوفِّر أحسن من ذلك راحة البال وعدم التفكير اللاَّمُنقَطِع ، فيما ينقل من الحاجة المُلِحَّةَ لإنقاذِ النفس مِن ورطةِ المَبِيت صاحبها في العَراء ، والشتاء لا يفتر هطوله ، والبرد يغرز أشواكه المُضِرَّة في بشرة جسده ، الى مثل الغرفة الشبيهة بما لأميرة من الأميرات المكانة المادية اللَّامحدودة ، لترتمي فوق سريرها الناعم المَلْمَس ، الأحَن على احتضان جسد من حقه أن ينعم براحة الراحة ، السابح المنتمي إليه ، في عالم اللاوعي المنعش الحواس جميعها عند الاستيقاظ ، بحيوية زادِ الحياةِ كحياةٍ مِن ورائِها تتخلَّص من حياةٍ بلا طُعم ، لمتطلبات غير ملموسة لحياة ذات طعم ، وآخر نقاش مع النفس قبل أن يتغلب عليَّ النوم كان مجرد سؤال : مَن تكون هذه الفتاة ، ولما فعلت معي ما فَعلَت ؟؟؟ (يتبع).

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل

تطوان : مصطفى منيغ

ما غابت ولن يَتَأَتَّى لها ذلك إذ في ذاكرة إنسان أحبَّها سَكَنَت ، وَصَلَها تائِهاً فاحتضنته مُعَزَّزاً وما احتاجَ ليعيش له وَفَّرَت ، لم تطالبه عَمَّن كان ولِما اختارها بالذات ، وِجْهَةً وعن حقها في ذلك سَكَتَت ، لتُقنعه مِن أوَّل وهلةٍ أنَّ الحضارة الإنسانية في تلك اللحظة لعقلِه لَفَّت ، ليُقارِنَ بين المَتروك خلفه وما يلمسه من ربوع لِمَقدَمِه غَنَّت ، وهو الفتَى الفقير لآهات ألامه سَمِعَت ، فأعَدَّت له الحرية دواء يروي ظمأه إن شَرِبه بمسؤولية على شفائه أعانت ، بحال جَيْبَيْهِ وما يعتريهما مِن سلبية خَواء اطَّلعَت ، فما ضَرَّها ذلك أو لتعاملاتها المادية انزعَجَت ، حيث البداية إرادة يقودها الصِّفْر لتضحياتها قبِلت ، فاليوم للغدِ كما الأخير لبَعْدِه وبين الأول والى ما شاء قَدَر لأشياء بسُنَّةِ حِكمَتِه أحوالها تغيَّرت ، ولها في ذلك كمدينة عريقة الريادة إذ لمتطلبات الحياة الشريفة مِن عهود تفهَّمت ، لتجعلَ مِن كل وافدٍ عليها تلميذاً في مدرسة بيئتها التي بالجدية والاستقامة لدروسها العملية بَرْمَجَت ، لتكونَ قُدوَة للمتوفرين على أخلاق مَحَبَّةِ الغير بضمائر حيَّة بطِيبِ المقال وتوقير ما اعتبرته جديد مجال عَمَّرَت .

... إنها العزيزة "بروكسيل" عاصمة المملكة البلجيكية ومنارة كبريات مدن أوربا العجوز كما شاءت وقررت فنفذت ، عبر أزمنة تباين وجود الدول بمساحة نفوذ أصحابها بقوة السيطرة على جغرافية الجوار ، وما تزخر به بعضها كنوزا ثمينة ملأ بها التاريخ الإنساني صفحات كتب استوجبت تكثيف الحوار ، لتجعل مدينة "بروكسيل" في التشبث بقيم العيش المطمَئِنِّ اعتمادا على نبوغ قاطنيها منذ عصور ، تغلبت على دياجير ظلم الظلام بما وفرته بعرق واجتهاد خرافي تلك الأصناف من أنوار ، تضيف للإضاءة الدفء الدافع على تحصين الديار ، من صقيع حسد الباحثين عن قلب معادلة البناء لمصائب دمار ، فكانت "بروكسيل" في جل المعارك تؤخر جهدها عن ذكاء اختيار ، لتحقيق أوسع وأعظم انتصار .

... وصلتُ اليها بعد عناء طُولِ سفر ، كشاب لكل عالمه الصغير عن ضغط يطول شرحه هجر ، بين يديه من المال القليل وللتعريف بانتسابه وجنسيته ما يسمونه بجواز السفر، لا حقائب لباس ولا ما يغير به ما يبدو عليه من منظر ، مغربي الأصل عربي السمات إقريقي القارة متحرر الأفكار ، يسوقه التفاؤل لمعاشرة مجتمع الأخيار ، التاركين الانزواء والخمول وثرثرة ضياع الوقت حتى تنسل منهم حلاوة الأعمار ، فيجدون أنفسهم ضيوفا على الندم المحتضن مَن ساء lkهم الانتظار عسى أي حلٍ يشفق عليهم ولا يخزيهم هو الآخر .

مذ وطئت قدماي أرضية محطة "ميدي" بعد نزولي من ذاك القطار ، شملني الإعجاب والاطمئنان وكل محاسن الانبهار ، بضخامة المكان وانضباط الحركة صوب أي منفذ في تناسق مع احترام التوقيت كعامل مفقود فيما تركتها ورائي من ديار ، أخَّرَها البطء وزادها خلو حقوق الانسان من أي وقار ، ليرافق الحظ مَن خدم بإخلاص حتى بعد الاستقلال ما بقيت من عناصر ركزها هناك قبل رحيله الاستعمار ، لتكون بمثابة سفراء مساعدة وتعاون حتى تقوم الدولة على رجليها في المظهر ، وعملاء لا يفوتون صغيرة أو كبيرة تخص مصالح دولتيهم فرنسا واسبانيا إلا ومكروا لاجتثاث المُضِرِّ لهما في الجوهر .

...الذكرى تلاحقني وارتاح لاسترجاعها ما دامت مرتبطة بأحلى أيام عمري على الإطلاق ، فيها وجدث القيمة الحقيقية لوجودي كانسان  فوق أرض مشيَّدة بعض من معالمها العمرانية , بعبقرية مهندس فنان ، سابق بما ابتكر من تركيب حجر جنب أو فوق بعضها البعض ما سبق بها ذاك الأوان ، لتكون جواهر من جماد ناطق بلغة صمت يلج حواس كل عاشق للجمال ، مبصر عن بعد أو قرب سر لب عمل يعانق الدهر إلى يوم ينتهي فيه كل ميعاد البقاء بعده للخالق الأوحد ، ولولا تلك الرموز المهيكلة الدالة على عقلية بلجيكية أوجدت فن الارتقاء مع الأجيال المتعاقبة لوضعية الشهادة المتجددة مدحاً لمبتكراتها مهما كان المجال بداية البدايات لما يتلألأ  تطوراً حميداً وتقدماً محموداً لصالح الإنسانية جمعاء ، لولا تلك المعالم الرموز لما استيقظت ذاكرة كل مهاجر لتلك الربوع وتشبثه بترجمة ما رأي وسمع لغة تحكي روائع يتجنبها النسيان لقوة حضورها نِعَم مناظر ورِفعَة مظاهر . وما الذكرى غير   سِحرٌ لن يقدرَ على مسحه أو استنساخه أمهر السَّحَرة ، ولو استعان بأعقدِ طلاسمِ تسْخير الجن وكل تمائم المفعول اللاَّمعقول ما قَدَّمَ في مثل الشأن أو أَخَّر ، التصَقًت في تلاحمٍ لا يزيغ مهما تقدَّم الزمن بالذاكرة ، خزان لا حصر لحمولته تُحْسَبُ يوم الحساب لولوج أصحاب الحسنات الرابحة معها جنَّة الخلود أو انجرار ذوي كذوات السيئات فيها حيث القعر الجهنّمي المشتعل على الدوام بأسماء القوائم الخاسرة . قد يكون للذِّكري مقَرٌ سِري معروف بغير عنوان لذاكرة مسؤولة حالما يتمُّ إفتحاص ما مرَّ من حياة صاحبها على الأرض حينما يُغادر للآخرة ، سعيد بما أنجز لصالح نفسه أولاَ ولمن حَوْله ثانياَ ولعقيدته الأساس القاطنة فؤاده أو علي لسانه بنطق الحق ظاهرة ، ذات الأصول المقدَّسة الطيِّبة بشذى الإيمان بالغيب مُعَطَّرة ، أو شَقِيٌّ بما اقترفَ مِن معاصي ولشتى المؤامرات المتنوعة الأضرار دبَّر ، أو داخل مؤتمرات لحقائق وَهْمِيَّة زوَّر ، بتشارك وطيدٍ مع أبالسة جلسات مجون في كل ليلة حمراء للفجر مع الفجور سَهَر، حيث الراقصات بحيائهن الفارز عَرَقَ الاختناق من تصرفات مُنكرة ، يخفين دموع الألم عن ظروف حوَّلتهن لبائعات هوَى جَلباً لقوت مَن ينتظرهن في أكواخ الظُّلْمِ بين حارات أقرب للمطارِح شكلاً ومضموناً وما خفي يكون العن ممَّا ظَهَرَ في عديد بلادِ لا تحترم حقوق مواطنيها كأحقر ظاهِرة.

الذكرى لا شأن لها بغض الطرف متَى الوقت بها ابتعد أو سَدَّ حيالها باب اللحظات المُسَخٍّر النسيان ولو لتأجيل ما يعقبها مِن ندم وحسرة ، هي للماضي - الحاضر سِجِلٌ لا يشيخ ولا يقبل تنحية أي جزء من شريطِ معاوَدَةِ الأحداث بتطابقٍ تامٍ كاملٍ كما حدث لا تنقصه حبة رمل الْتَقَطَتْها فيما التقطت  العين  ساعتها أدقَّ صورة .

... أحببتُ بلجيكا المملكة الأوربية الأقرب للمهاجرين الوافدين عليها (وكنتُ مِن الرواد الأوائل أحدهم) بنبل سماحتها ونظافة مساحتها واحتضانها الغرباء مهما كان جنسهم ومستوى تكوينهم وأصول عقيدتهم لتضرب المثل القويم عن دولةٍ بالفعل وليس بالقول فقط متطوِّرة ، تجمع ومن إلحاق الفضلاء بما يناسبهم لا تشبع  عن ذكاء يرَى الإنسان كومَة أحاسيس المُعاشر إيَّاها بإحسان لعميد أسرة منتجة للخير كَوَّنَ لتضاف للبرَرَة ، قوانينها بارزة لحجمها الحضاري المحافظة على الموروث الثقافي الخاص المساهمة به في ابتكار ما إن رآه الغير أو سمع عنه أو شمَّ رائحته ألزَمَ نفسه باحترام عظمة بلجيكا شعباً ووطناً مفتخراً  بها بين الأمصار أكانَ مُقيماً بين أحضانها أو عنها يغادر جسداً ولا عضوا مسؤولا من أعضاء جسده تتقدمهم الذاكرة يكون قد غادر . ما أتيتُ إليها بحثا عن عمل إذ كنتُ أحد الموظفين في بلدي المغرب ولكن لأتعلم أن يكون الإنسان مجرَّد إنسان مجرّباً ملذات الحياة الشرعية بنظام وانتظام مواكباً الحاصلين على أُسلوب ابتكار الأجدر والأنفع والأسهل لمواجهة هدوء مفعم براحة الضمير قبل البال طاردا من أمامي كلّ حَيْرَة ، فاستقبلني  جوّها بما أحاط ويحيط به الترحاب ممهداً حيالي عناصر البقاء كما أريد لأفعلَ في نطاق القانون المحلي ما أختار ولي على تَحَمُّل مسؤولياته العزيمة والقدرة ، وكم كنتُ محظوظا حينما اصطدمت عيناي بعيني تلك الفتاة خلال نقس الأثناء المؤسسة لاستقراري في هذه الديار الموقرة ، فخلتُ مستقبِلاً ابتسامتها الحلوة أن شمس  التغيير لاجتاز مرحلة الوحدة المملَّة الضاربة في الأعماق لترسيخ قنوط لا يُرى بل يُلمَسٌ ذهنياً كزعيم  لكل ضرر ، قد لاحت تُبْقِي على الربيع الإنساني ما يعشق عشاقه من خُضْرة . (يتبع)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

البرنامج لا يُغَطِّي الاحتياج

 

البرنامج لا يُغَطِّي الاحتياج

تطوان : مصطفى منيع

طُرِدَت من الحكومة ولم تُعمِّر فيها إلا ساعات تصل الثمانية والأربعين ، على خلفية ماضيها وما شابَهُ من تجاوزات بثت في شأنها محكمة تلك الأحْيَان ، فكان الفاعل مثار كلام منطوق عبر العالم بكل لغات ما في الأخير من أوطَان ، عن أمين عام حزبٍ رشَّحَها لذاك المنصب السامي وهو لا يدري عن ملفها القضائي شيئا وكان عليه أن يستَقِيلَ بِحَصْرِ ما كانَ في ماضِي كَان ، لكن المغرب لم يصل بعض المتربِّعين فيه على مناصب سياسية لمثل القواعد المرتبطة بالديمقراطية التي صدَّعوا رؤوس المغاربة بتشبثهم بأخلاقياتها  علما أن ذاك الحزب مملوء بطاقات محترمة ذات ماضي في النضال مُشرٍّف ومستوى عِلمي رفيع يؤهلهم لمثل تحملهم ذات المسؤولية ومِن زمان ، و اختيار تلك المرأة بما تحمله من مخلفات أعمال بلغت المحاكم فقالت في مضمونها ما صَدَرَ عنها من أحكام كما يُقال عبر مختلف قنوات إعلام وطنياً ودولياً الآن ، على الأمين العام لذاك الحزب أن ينحني لما ترتَّب عن اختياره ويترك المكان لسواه إنقاذا لمكانة الحزب ومرجعيته التاريخية واعتماده الدفاع عن حقوق المجال السياسي وما ينتسب إليه من إنسان . المعلوم أن ذاك الشخص لن يتزحزح مِن مكانه لعشقه كرسي السلطة ومزاياه متجنباً الحزب الذي يقود سفينته عساه ينسلخ من تبعيات قاعدتها أن حزب الاستقلال له مع التاريخ ما خلَّفه رواد أسسوا ليظل الحزب فوق كل اعتبار دون السماح بتعكير صفوه السياسي لأي كان .

... لا يستحسن من جهة أخرى أن تكون تلك الوزيرة المطرودة مجرَّد كبش فداء تزيِّن بذبحة أداء الحكومة المثالي ، بل عليها التدقيق في ماضي آخرين الذين كونوا ثروات هائلة دون تعرضهم لأية مساءلة ، حقيقة أن رئيسة هذه الحكومة لم تكن حرة في تعيين وزرائها ومن الجنسين ، بل الأكثرية فُرِضت عليها من جهات منها الأحزاب الأربعة الفائزة في الانتخابات الأخيرة ، لكنها الأن تملك زمام الأمور وكما طالبت بإعفاء المذكورة آنفا ، قادرة بما تتحمله من مسؤولية غربلة قافلة متزاحمة حتى في قاعات مهما كانت سعتها لا تستوعب عددهم وكأن المغرب له من المجالات الناجحة ما تتطلب مثل العدد غير المقبول من الوزراء ، والثقيل على الخزينة العمومية وصاحبها الشعب المغربي حفظه الله ورعاه وسدَّد خطاه .

... بتلعثُم بَيِّن ، وتكسيرٍ للغة الضَّاد ، ومُجاهَدَة لربط الجأش ، وتصنُّع يضفي على المقام قدرة المواجهة مع تحمل المسؤولية الند للند ، إظهاراً لسطح الرغبة في قطف ثمار الإعجاب بما حققته ، أوْصَلَها لتخاطب الجَمع وتحظَى بالتقدير ، تناولت السيدة رئيسة أغرب حكومة لمغرب الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ميلادي الكلمة ، لتقرأ فحوَى برنامج ذات الحكومة قراءة متداخلة نبرات الصوت بشعور ناتج عن تبليغ شيء لن يكون مفهوماً بالقدر الكافي المُشَبَّه بجلباب مُعِدٍ خصيصاً ليلبسة المغرب طيلة خمس سنوات ، مُرقَّع بأكثر مِن خيط ، مصبوغ بأزْيَد من لون ، جعلت مِن الجلباب رغم إظْهَار المسؤولين على إبرازه أنه جديد ، يبدوا في حالة لا تَخْفِي استعماله مِن طرف الحكومات المتوالية ، حتى إذا وصل للأخيرة تبعثرت مقاييسه . لم يكن برنامجاً في مجمله مِن نتاج حكومة يُقَدِّم عُصارة تفكير الأحزاب الأربعة لانقاد المغرب من الأزمات التي يعيشها والمرشحة للمزيد من المتاعب تطال سلباً جميع المجالات ، بل جاء في أهم نقط توجهاته مِن إعْدادِ جِهَةٍ ترَى في الحكومة وسيلة تنفيذ إرادتها في السيطرة  لا غير ، تَرَى في الشعب الصابر آخر مَن يعلم وكيف يعلم ومتى يعلم ، لذا جاء البرنامج كإنشاء يصف المتفق عليه من تخطيطات العمل بعقلية غير مغربية أصلاً ، ويتضح هذا جلياً في عناوين مقتبسة من تجارب مستوردة من ضفة البحر الأبيض المتوسط  الشمالية ، بالتأكيد ستحظى الحكومة على ضوء نفس البرنامج بالثقة ، التي هندسَ من هندس حصولها مسبقاً على ذلك ، بإفراز أغلبية عملها كمهمتها ، التصفيق ومباركة ما يقدَّم اليها مهما كان مضمونه ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

مصطفى منيغ

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

الاستعجال دليل سوء الحال

 

الاستعجال دليل سوء الحال

تطوان : مصطفى منيغ

ما دامت البداية عبارة عن برنامج استعجالي ممنوح من جهة معينة ، فالأمر يؤكد أن نقطة الصفر في نفس الدائرة المعهودة انطلقت لتتدحرج على امتداد خمس سنوات قادمة ، فتعود لنفس الوضعية المألوفة ، بالإعلان عن برنامج استعجالي آخر وهكذا دواليك . برنامج استعجالي وهناك مَن يتبجَّح في جولاتهم السياحية المدفوعة الأجر ، مرددين امتياز المغرب بالاستقرار ، متناسين أن الاستقرار لا يتطلب أي برنامج استعجالي ، إلا في حالة واحدة تتعرض فيها البلاد لكوارث طبيعية ، ما عدا ذلك المفروض أن تكون البرامج المخصصة للتسيير التنموي العام ، مِن وَضْعِ حكومة خادمة مصالح الشعب منذ لحظة تنصيبها إلي آخر توقيت ولايتها ، وتسليم المسؤولية لتتحملها الآتية بعدها ،  بموافقة البرلمان المُؤَسَّس مِن طَرَفِ الشَّعب ، برامج مُبتَكَرة كأسلوب عمل مُحدَّد ، وِفْقَ معادلةِ الوارد من الدَّخل القومي ، ومقارنة صرفه على الحاجيات الضرورية ، ودوماً لتطوير الخدمات المفروض تقديمها لفائدة الشعب أولا و أخيرا ، برامج مستَمَدَّة أساساً مِن الواقع المُعاش ، والتَّخطيط المُستقبلي لتحسينه على جميع المستويات ، باعتماد الثروة الوطنية ووارداتها المضبوطة وفق صدقية مِلْكِيَةِ الشَّعب لها وليس لأي كان غيره ، بمشاركة عقول أكان أصحابها من أحزاب سياسية أو منتسبين لجامعات ذي الكليات المتخصِّصة في وضع المقاييس العلمية ، لمرافقة نجاح تلك البرامج عند تنفيذها خطوة خطوة ، وتقييم درجات النفع الحاصل من يائها ، والعمل المسؤول على مضاعفة تدخلاتها الميدانية ، الجاعلة من الدولة متقدمة تقدماً لا تشوبه شائبة ولا تأخذه مظاهر ملونة بادعاءات لا أساس لها من الصحة .

... حينما يُعْطَى برنامج استعجالي لحكومة جديدة ، لا ناقة لها ولا جمل في إعداده جُملةً وتفصيلا ، فهذا يجعل منها وسيلة تنفيذ جوفاء ، مرتبطة جوهراً بما يملؤها بالتعليمات الدائمة ، ومَظْهَراً بعجزٍ يميِّزها منذ الشروع في القيام بالواجب الذي تأسست من أجله ، ارتكازاً على قاعدة أن الشعب المغربي لا يقبل بمنَّة أحد عليه  ،  ومَن يمثلانه كمؤسستي الحكومة والبرلمان ، أن يكونا في مستوى التخطيط والموافقة ، على برامج همها الأسمَى تلبية حاجيات الشعب ، وفق إرادته الحرة المستقلة المفعمة بالتطلع للتمتع بحقوقه الإنسانية والقانونية كاملة غير منقوصة ، والحكومة العاجزة عن تقديم برنامج نابع من تفكيرها ، مطابق لما تتوفر عليه من إمكانات مالية متعددة المصادر ، و ما يواجهها من توسُّعٍ في الحاجيات تتقدمها الضروريات كالتعليم والصحة والشغل ، ملحقة بإصلاح ما يستوجب إصلاحه إتباعا لرؤية تجعل من مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

... نعلم مسبقا أن الحكومة الحالية لن تكون أفضل مما سبقتها ، لاعتمادها كما يبدو نفس التصرفات البعيدة عن المطلوب منها جماهيرياً ، إذ حان الوقت لتكون مع الشعب للشعب ، فلولاه لما تقلَّدت تلك الوضعية الجاعلة منها الطرف الأساسي وليس الثاني في الحكم ، لذا فهي حكومة الشعب ، مكونة من أبناء الشعب ، والذي يؤدي أجور وزرائها هو نفسه الشعب ، فالمقروض أن يكون الشعب المُوَجِّه لها وليس العكس ، وعليها أن تعلم أن خمس سنوات مِن عمرها قد تمر وتنتهي الى التاريخ أو مزبلته ، لكن الشعب لا ينتهي مرتبط بوجود أجياله ، لا بالانتخابات  أو التعيينات ولا بألف حاكم و حاكم ، وسيظل على حاله في شموخ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها .

مصطفى منيغ

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /8

  بروكسيل ذاك الزمن الجميل /8 تطوان : مصطفى منيغ وصلتُ الساعة الثامنة صباحا لأجد "ماري" في انتظاري بابتسامة أدركتُ معزى لباقته...