الأربعاء، 12 أغسطس 2026

أصوات لا تحترم الأموات

 

أصوات لا تحترم الأموات

تطوان : مصطفى منيغ

تتشكل ستائر مُعِدَّة لتغطية أحوال "تطوان"الآنية ، المنسوجة من خيوط هشة أجمل ما فيها الألوان التمويهية ، الباعثة الاستغراب لدى المضطرين للتمعن في مضامينها اللاعادية ، القاصدة إشغال مَن لا شغل لهم خاصة عن أحداث تتطلب وقفة تقويمية ، لإسناد طرف رسمي معني الحيز الأكبر من المسؤولية ، ذاك الذي مهما دفع بمثل النشاط المختبئ به خلف بعض أصوات نساء لن يُتْرَك من ضمير الإنسانية ، فالذين ماتوا خلال أشهر موجة فرار للشباب المغربي نحو سبتة المحتلة هم أبناء الأمة المغربية ، أساس الدولة ومصدر شرعية وجودها على الخريطة الدولية بعد الوطنية ، وليست ضيعة مملوكة لمن ألفوا عدم الاكتراث لما يحدث بسبب تصرفاتهم الاستبدادية ، كأن الذين توفوا مجرد قطع فلين تطفو على البحر أو جثامين تُداس بفرط الزحام من طرف أقدام لا حول لأصحابها سوى الركوض لإنقاذ أنفسهم الغالية ، وبدل أن يعلن هؤلاء الحكام الحداد عما جرى يدفعون بمهرجان الرقص والغناء وقرب مركز بناية اسمي إدارة إقليمية لنفوذهم السلطوي احتفاء (كما يعتقدون) بصمت التطوانيين عما جرى لأبنائهم وبناتهم من نهاية مؤسفة المنتقل أخبارها للعالمية .

... ومن النساء الشريفات الموقرات مَن جهرت برأي أعطت بمضمونه لنساء تطوان أنهن حاضرات للدفاع عن حق هؤلاء الأموات الذين رحلوا تحت ضغط الحاجة لاستنشاق هواء الكرامة ، وتذوق لقمة العزة بالحلال ، والعيش في حرية تعطي للإنسان المغربي كل حقوقه المشروعة ، ونقصد الأستاذة ّنجاة حمرية"المستشارة بالمجلس الحضري لمدينة تطوان ، حيث كتبت بالحرف الواحد ما يلي :

" تستعد مدينة تطوان لاحتضان الدورة الخامسة عشرة لمهرجان «أصوات نسائية»، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 15 غشت 2026، في موعد كان يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالفن والثقافة والتراث والانفتاح على فضاء البحر الأبيض المتوسط.

غير أن تطوان هذا الصيف ليست المدينة نفسها التي كانت تستعد لاستقبال المهرجان في ظروف عادية.

فخلف أضواء المنصات، وخلف أصوات الموسيقى والتصفيق، تعيش أسر تطوانية وشمالية حالة من القلق والحزن والألم، على خلفية مأساة الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما رافقها من أخبار عن فقدان عدد من الشباب والقاصرين، وبينهم أطفال وفتيات في مقتبل العمر، لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم.

والأكثر إيلاماً أن أخبار الوفيات تصل تباعاً إلى أسر مكلومة، فيما تتلقى بعض العائلات جثامين أبنائها بعد رحلة انتهت بمأساة، بدل أن تستقبلهم أحياءً كما كانوا يحلمون.

هناك أمهات لا ينتظرن مطربة على خشبة المسرح، بل ينتظرن خبراً عن أبنائهن وبناتهن.

وهناك أسر لا تفكر في السهرات المجانية، وإنما في سؤال واحد يطاردها: أين أبناؤنا؟ وما مصير الفتيات اللواتي انقطعت أخبارهن؟ وهل سيعود الغائبون، أم أن بعض العائلات ستضطر إلى استقبال جثمان ابن أو ابنة بدل استقبال عودته؟

وهنا يطرح السؤال نفسه، ليس من زاوية رفض الثقافة والفن، وإنما من زاوية المسؤولية الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية وحساسية اللحظة:

هل كان من المناسب أن تقام هذه الدورة في هذا التوقيت بالذات؟

لقد اختار المنظمون شعار «سيدات البحر الأبيض المتوسط، ذوات ثقافة وتقاليد عريقة». وهو شعار يحمل دلالات ثقافية وإنسانية عميقة، غير أن البحر الأبيض المتوسط بالنسبة إلى كثير من الأسر في شمال المغرب لم يعد مجرد فضاء للتبادل والحضارات والثقافة؛ بل أصبح أيضاً فضاءً تختلط فيه أحلام الهجرة بالخوف والفقدان والمجهول.

ومن المفارقات المؤلمة أن يحتفي المهرجان بالمرأة المتوسطية، في الوقت الذي تعيش فيه نساء تطوانيات محنة حقيقية، بعدما وجدن أنفسهن أمام مصير مجهول لأبنائهن وبناتهن.

الأم التي تبحث عن ابنتها المفقودة لا تحتاج في هذه اللحظة إلى منصة مضاءة، بقدر ما تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، ويسأل معها عن مصير ابنتها، ويواسيها، ويشعر بآلامها.

وإذا كان المهرجان يتضمن مبادرات اجتماعية وصحية لفائدة المسنين والفئات الهشة، فإن الظرف الاستثنائي الذي تمر به المدينة والمنطقة كان يستحق، في تقديري، مبادرة أكثر رمزية وعمقاً: الوقوف إلى جانب الأسر التي فقدت أبناءها أو لا تزال تجهل مصيرهم، وتحويل البعد الإنساني إلى محور أساسي في هذه اللحظة، ومنها اتخاذ قرار تأجيل الفعاليات إلى موعد أكثر ملاءمة.

فالمهرجانات ليست مجرد برمجة فنية. إنها أيضاً رسالة إلى المجتمع، وتعبير عن إحساس المدينة بما يعيشه سكانها.

وقد يكون قرار التأجيل، في مثل هذه الظروف، أكثر انسجاماً مع روح التضامن من الاستمرار في البرنامج كما لو أن شيئاً لم يحدث.

إن تطوان مدينة عريقة، لها ذاكرة ثقافية وإنسانية عميقة. وهي المدينة التي تعرف معنى التضامن، وتعرف جيداً أن المناسبات الاحتفالية يمكن تأجيلها، أما وجع الأمهات فلا يمكن تأجيله.

كان يمكن، مثلاً، أن تتحول هذه الدورة إلى مناسبة تضامنية مع الأسر المكلومة، وأن تخصص فعالياتها للحديث عن الهجرة غير النظامية، ومخاطر الهجرة الجماعية، وأسباب فقدان الأمل لدى الشباب، وأن يصبح شعار «سيدات البحر الأبيض المتوسط» مناسبة للحديث عن نساء ينتظرن أبناءهن على ضفتي هذا البحر.

فحين تكون المدينة مثقلة بالحزن، تصبح مسؤولية المؤسسات والفعاليات الثقافية أكبر في قراءة المزاج العام واحترام مشاعر الناس.

قد تعود الموسيقى بعد أيام، وقد يلتقي الجمهور في ظروف أكثر ملاءمة.

أما أم تنتظر خبراً عن ابنتها، أو أب يستعد لاستقبال جثمان ابنه الذي خرج بحثاً عن مستقبل أفضل، فلا يمكن أن نقول لهما: انتظرا حتى تنتهي السهرة.

تطوان اليوم تحتاج إلى الإنصات قبل التصفيق، وإلى التضامن قبل الاحتفال، وإلى مواساة الأمهات قبل إضاءة المنصات.ولعل تأجيل المهرجان، لو تم اتخاذه، كان سيبعث رسالة إنسانية أقوى من أي خطاب: أن للثقافة معنى حين تكون قريبة من الإنسان، وأن الاحتفال الحقيقي بالمرأة يبدأ بالوقوف إلى جانب المرأة التي تعيش أقسى لحظات الانتظار والألم".

     مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

aladalamm@yahoo.fr

https://assafir-mm.blogspot.com

 

أوصلهم للانتصار وسيوصلهم للانهيار

 

أوصلهم للانتصار وسيوصلهم للانهيار

تطوان : مصطفى منيغ

ضحك على تطوان مرَّة ، وأعادها (ذاتها) مُكرَّرَة ، فقرَّرت تطوان أن تضحكَ عليه بما تراها أنسب صورَة ، قد يُخلِّدها تاريخ السياسي المَعْنِي تحت عنوان أشهر مَسْخَرَة ، تعرَّضَ لها مَن دخل اللعبة الانتخابية وفي نيته ازدراد لمفردِهِ الدجاجة المُحمَّرَة ، ليخرج لا محالة بأثقلِ خسارَة ، بدلَ أن يزمجرَ مُتجوِّلاً كما كان ولسانه أقوَى صنارة ، سيختبئ إن فكَّر في المرور بعد أكتوبر المقبل مِن أي حارَة ، حتى لا يُضرَبَ كما حَكَمَ على نفسه يوماً بالحجارة . مهما وصلَ الغير مستحِقٍّ في لحظة ينزلق لما خُلِقَت دَوَّارَة ، تغري بملذات طموحِ امتلاكِ عمارة وراء عمارَة ، دون الاحتياط مِن زلزالِ الحقِّ المُنَظِّفِ المُتَعوِّدَةِ على الطَّهارَة ، ما دامت أرض لها مالكها المنصف سبحانه بما يجعلها عِبْرَة ، وليس الطغيان والمغالاة ونسيان دعوات العناصر المقهورة ، سمة تُخَلِّص مِن مساءلة عن مراحل مستمرَّة ، نَصَرَت الفساد والدليل هذه المدينة تطوان المُتَضَرِّرَة ، بسبب مَن نَسِيَ واجب الدفاع عنها وانجَرَّ مشيِّداً زوايا تلك الثروَة بالباطل مُثمِرَة ، التي لن تنفعَه مهما بلغت لتخفيفِ ثانية مما سيلقاه مدفوناً في مَقْبَرَة . مَن أوصَلَ تطوان لتضحَي مَعْيَرَة ، على لسانِ أي إنسانِ القارات الخمسِ جهراً وبالهَمْس مُشَبَّهَة بِجَمْرَة ، تدحرجَت لحرقِ سمعةْ أسمَى احتفالٍ ذي الرموز الوطنية المُعتَبَرَة  ، لتُرْفَع أقاويل يرَى أصحابها أن رئيسَ الدَّولةِ قد يجوز هروبه مِن وطن ما كما حَصَلَ بعد ثورَة ،  لكن أن يهربَ شعبٌ من وطنه يُوقِع الجميع في حَيْرَة ، إن لم يكن السبب بعض هؤلاء المتخذين بعض المؤسسات الدستورية المنتخب أعضاؤها محلياً أو وطنياً مجرَّدة مَعْصَرَة ، لاستِخراج زيوت اليأسِ والقنوطِ أداة لتضييقِ الخناق على جيل ما قد يساير به المغرب ضد المألوف التقدم ونماء الحضارَة . ما وقع في "سبتة" المحتلَّة ليس كما يدعي البعض عائد للعناصر المهاجِرَة ، بل هو تعبير صادق ناتج عن عقولٍ شابة متذمِّرة ، صمتَت لسنين ملتزمة الحياء وبما تحياه مِن ظُلمٍ وتهميش صابِرَة ، تتمعَّن في أسماء تخصَّصَت في الافتراءِ لملء بعض المجالس بمرضى الضمائر المحشوة قناعاتهم بكل متأخِّرَة ، عن لحاق ركبِ التحسُّن الجماعي بدلَ إفراز أصحاب الوجوه المُكْفَهِرَّة .

لم يكن الحدث المُؤسِف مُرتَّباً ، بل العفوية كانت قائدته ، ورغبة التخلص من المدفون في الصدور غايته ، التوقيت فَرَضَ الانسياب الجماهيري بسلاسة غير مسبوقة ، لغياب الأمن بجل تخصصاته وانشغاله في حراسة كل شِبرٍ من مساحة معيَّنة ، مثلت الأكثر حراسة في العالم ، أوْجَبَت لأدراك الأعلى الأمثَل في اعتراضِ أي جَوٍ مشحونٍ بذراتٍ مشكوك فيها ، مِن المرورِ إلا بتحليلِ جُزَيِّئات الجزيئيات ، وهذا في حد ذاته لا يخدم تطوان الحاضنة لمثل الاحتفال ، ولا التطوانيين ومنهم مَن يتَّخذ مثل الإجراءات مَساً بإخلاصهم لرموزِ الوطنِ ، فما كان الأمر يحتاج لمثل التشدُّد ، ولا خير في مبالغةٍ أفرزت حالات مِن التَّشكيك بدل الشعور بواقع الاستقرار الحقيقي بما فيه النفسي ، فوجود مثل النشاط أصبح عائقاً يحرم الآلاف من الحصول على قوت يومهم في هدوء التنافس لامتلاك الحلال مِن الأرزاق ، إضافة لتلك الصورة المُعطاة وكأنََّّ تطوان مُعرَّضة لهجومٍ لا يُبقى ركناَ دون إلحاق الأذى به ، أشياء أصبحت مرفوضة في الألفية الثالثة وبالمطلق ، لا ينطبق عليها حتى المهرجان الفلكلوري  المُنظَّم للترفيه على الشعب ، لم يعد استعراض القوة مصدر هيبة تُضاف لمن يبحث الآن بمثل الصِّيغ أن تلتصقَ به ، بل يؤكد بالواضح ليس المرموز عن خوف وُجِد عِلَّة لتذكير مَن يضنهم في حاجة للتذكير أنَّ العَصَا مرفوعةُ وعلى الرؤوس أن تنحني دون حق  التمعُّنِ حتى في المارين على هودج عظمةِ السلطة التنفيذية أمامهم ، وهذا في لغة المدركين لعمق ما يقع أن خللاً ما وُضِعَ لتسليط ضغوطٍ استثنائية على شعب لا يستحق لا من قريب أو بعيد مثل التصرفات الماسحة مسحاً مُنكراً لحقوق الانسان . و"الهروب" الجماعي جاء رسالة بعث بها جزء من الشعب المغربي العظيم المتحضِّر ، مُرسلَة في الهواء الطلق مباشرة وبدون وسائط إلى قمة هَرَمِ النِّظام في المملكة المغربية الشريفة ، رسالة تجيب عما تصمَّنه الخطاب بأن الأمورَ ذاهبةٌ إلى التقهقر ، حالما يتعلَّق بغالبية شرائح الشعب المغربي المُسلط عليها كل أـشكال الهيمنة والابتزاز وأنياب الفقر تنهش ما تبقى في أجسادها من شبه لحم .(للمقال صلة)

     مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

aladalamm@yahoo.fr

https://assafir-mm.blogspot.com

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السابع

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السابع

تطوان : مصطفى منيغ

بنيحيى العزاوي رشَّح لي الأخ "أبو يوسف بلعيد" ، في الحقيقة سبق لي معرفته كمؤلف مسرحي من مدة ، وأيضا محافظاً بمكتبة الإذاعة الجهوية بوجدة ، عِلماً أن علاقتي به ظلت دوماً محدودة للغاية ، اتصلت له لمناقشة الفكرة فوجدته عكس ما تهيَّأ لي مستعداً للانتقال معنا مجرِّبا حظه في الجزائر دون التفاتته للعلاقات الثنائية المغربية الجزائرية إن كانت قابلة لتخفيف التوار أو تصعيده ، ، ما همة ساعتها سوى الراتب الذي من الممكن أن يتوصل به ، إن أسعفه الحظ  ونجح في الامتحان

عدتُ للجزائر العاصمة ومعي الرجلين اللذين سأضعهما في مكان ميقدم يطابق العملية التي هندستُ تصميمها بالكامل ، وتحملتُ مسؤولية إنجاحها مهما كان الثمن المُقَدَّم إن فشلت (لخطا ما )حياتي . لم أطلعهما بداية على أي شيء ولم أرد أن يشعرا أنهما تحت سيطرتي ، لكي ينطلقا معتمدين على نفسيهما ، فقط ساعدتهما في الدخول لاجراء اختبار تحت إشراف الأستاذ "أحمد بولعواد"  ، يخرجان منه مؤهلين لحصول كل منهما على وظيفة "ممثل إذاعي" أم لا1النتيجة كانت طيبة بالكامل ، وحسب ما رتَّبتُ لسبب واصل لشرحه متعلق بانتقالهما إلى فرقة وزارة العمل المسرحية ، حتى إذا اتصل بي كاتب ياسين مستفسراً عن الممثلين اللذين استقدمتهما من المغرب أخبرته أنهم فضلوا العمل بالإذاعة والتلفزة وقد مرا من امتحان أُجرِيَ عليهما أنهيانه بنجاح ، وما عليه إلا الاتصال بهما في محاولة إقناعهما بالتحول لفرقته حتى يستعين بهما في انجاز مسرحية "المسيرة الحمراء" وفق المتفق عليه بيننا ، فعلت ذلك حتى أُبعِدَ فكرة التنسيق المسبق وما شابه ذلك من تعاون بيننا نحن المغاربة الثلاث ، قد يُفسَّر في غير محله ، وحتى يطمئن مَن يتحرك ورائي في الخفاء ، أن الأمور كلها بين يدي كاتب ياسين بما فيا جلبه وتحكمه المطلق في العناصر المغربية المشاركة أساسا في المسرحية تلك الملعونة ن بع أيام ثلاثة اتصل بي "بنيحيى العزاوي" ليطلعني أنه و"أبو يوسف بلعيد"تمكنا من إجراء اتفاق مع كاتب ياسين لينتقلا بموجبه إلى فرقة وزارة العمل المسرحية ، مقابل أجرة ما كانا ليحلما ولو بربع قيمتها ، فتيقنتُ أن خطتي نجحت وعلي الاستعداد في اليوم الموالي لمواجهة شؤون كتابة نص الحوار ، ومناقشته في العمق مع خبراء فن المسرح والسياسة البومدينية الرسمية للبلاد ، حيث يتفق المَشْهود لهم بالكفاءة الفكرية في الجزائر ، أن النص المكتوب  من طرف مصطفى منيغ ، تَحَدَّى الجودة إلى مس وجدان  المتلقين لمضمونه ، بما يؤثر فيها لدرجة تحميس أصحابها لتأييد ما يحتاج التأييد ، وأكثر لمباركة الخطوات الواجب قطعها وصولاً لتبرير الغاية المقصودة ، بأنها واجب على الجزائر حاكمين ومحكومين القيام به ، تمشياُ مع مبادئها القاضية منذ الاتفاق على اتخاذها رمزاً يرفع شأنها في كل الدول المحبة لتحرير الأقلية المقهورة من قيود الأغلبية المُسيطرة .

وحينما أشار المتضلعون في لب سياسة الحكم في الجزائر المكلفون بحمايتها بأعز ما يكون ، للإقرار أن ما كتب مصطفى منيغ للمسرحية من حوار ، سيفتح أمامه باب كل مؤسسة سياسية ليحظى بمنصب وأتم استقرار ، إن فكر وقرر أن يبقى في الجزائر كأفضل اختيار . ما عساه يبقى لكاتب ياسين ما يقول غير ما أعلنه ، بل أمر به حتى ينطلق العمل في أحسن الظروف  فيتم توزيع الأدوار والقراءة الإيطالية للنص  الحوار .

... مذهولاً عبَّر "بنيحيى العزاوي" وهو يخاطبني عن أمر بدا له  في غاية الغرابة ، طالباً مني التوضيح الصريح ليفهم الدور الذي يلعبه في القضية برمتها ، وكيف وصلت لأحرِّكً خيوطاً في حجم أصحابها ، لأكون رائدا في ثمت للعمل الذي نحن مطالبون القيام به حرفياً ودون نقاش . .

أجبته : (يتبع)

(الصورة: مدينة وجدة)

  مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

aladalamm@yahoo.fr

https://assafir-mm.blogspot.com

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السادس

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السادس

                            تطوان : مصطفى منيغ            

إدراكا حقيقيا أحس بالمنطق في جرأة يصارحني أن النتيجة المتوخاة من طرفي تبقى عسيرة المنال إن لم تكن مستحيلة ، فكيف يتحدى مواطن مغربي بسيط مثلي ، لا يملك إلا قلماً وأوراق بيضاء يملؤها فكره بما منحه العلي القدير من موهبة على الإقناع ، وتشبثا بما تفرضه عليه تربية وطنية تتنكر للذات وتفضل ترك أي بصمة رافعة من شأن المغرب دولة وأمة ، أجل كيف يتحدى مثل المواطن دولة في حجم الجزائر الرسمية ، بما لها من عيون مبتوتة في كل مكان حساس ، تنقل للجيش والشرطة والدرك تقارير عن كل صغيرة وكبيرة تخص كل شيء ، تجعل من فسيفساء الأجهزة المخابراتية المتعددة التخصصات الموحدة على نفس المسؤولية ، في حالة استنفار متواصل ، وبخاصة في تلك الأيام والعلاقات المغربية الجزائرية ، على جميع الأصعدة ، بلغت من التوتر حداُ قابلاً للانفجار في أية لحظة ، لا يتحدى ذاك المواطن واسمه مصطفى منيغ تلك الدولة وحسب ، بل يتحداها ويحقق ما أراده وخطط له ، ويخرج منها سالماً ن رافعاً اللواء المغربي خفاقاً بالمجد والعزة والسؤدد ، ملتحقا بالمسيرة الخضراء ستة أيام قبل انطلاقها.

... استعجلني كاتب ياسين بإحضار الممثلين المغاربة ، فعلمتُ أن الضوء الأخضر أُعطِيَ لاستمر في تنفيذ مخططي وألِج به المرحلة الثانية المرتبطة بوضع الأُسس الكفيلة بإقامة عناصر إنجاح العمل / العملية فوقها ، وتحديد أوقات الأشواط الواجب قطعها مع توفير حاجيات التحرك صوب الأمام ، وبالتالي خارج التراب الجزائري مادياً ومعنوياً ، وما يتطلب ذلك من دقة من مواعيد ، لتأتي اللحظة الحاسمة منهية كل شيء بما يؤرخ انتصار الحق المغربي على الباطل الجزائري .

... في مدينة وجدة (وبها بضع جواسيس النظام الجزائري) أردت أن تتم جل اتصالاتي على الوجه المكشوف بهدف إبعاد كل الظنون التي لا زالت بقايا شكوك مختمرة حسِبَت في جحرها الكائن بشارع الكولونيل لطفي بالجزائر العاصمة ، أنها بذلك أذكى الأذكياء ، ، لكن الواقع والنتيجة المُحصَّل عليها من طرفي ، أظهرت بشكل يدعو للاستغراب ، مستوى غباء ملازم لمحاولات هؤلاء تبرير المجهودات المبذولة من طرفهم ، النائية عن ضبط وإحضار أي دليل مقنع أنني لن أكون إلا مترفعاً عما تخطط حكومتهم ضد المغرب ، حتى مقهى "لاكُلومْبْ" لم أزرها حى لا أعطي الفرصة لذاك المسؤول المخابراتي الجزائري أنني التقيت فيها بالسيد "السوسي"المشرف على صنف من المخابرات المغربية في مدينة وجدة ، الذي كان أحد زبناء نفس المقهى . كنت على علم أن الشاب "بنيحيى العزاوي"روحه متعلقة بالمسرح وذهنه مشبع بتطلعه للنجاح كممثل عالمي وحبه مقتصر على خشبة تُرفَع عنها ستارة بعد الضربات الثلاث فيظهر صارخاً ميمنة وميسرة ببضع جمل : "سيعترف بي العالم ذات يوم بكوني أعظم ممثل عرفه أبو الفنون المسرح على امتداد التاريخ ". ثم يصمت مانحاً الفرصة لتلقي تصفيقات الجمهور . هكذا تخيلتُ هذا الشاب ونحن نتجاذب أطراف الحديث فوق سطح السوق المُغَطَّى  ، حيث في جانب منه غرفة وضعها المجلس البلدي رهن إشارة فرقة مسرحية . لم أجد أي صعوبة ليقبل بمرافقتي للعمل في الجزائر ممثلاً مسرحياً لكنه ربط سفره باتصالي المباشر بزوجته الممرضة بمستشفى "الفارابي" و إقناعها بالسماح له على الابتعاد عن البيت ، وهذا ما حصل مع تلك السيدة الفاضلة والأم المثالية المربية لأولادها أحين تربية ن ولا زالت كلماتها ترن في أذني إلى الآن :

"الأستاذ مصطفى منيغ ، لم أسمع عنك إلا ما يجعلني أحترمك وأفتخر بمعرفتك ، إن اختيارك لزوجي كي يرافقك للجزائر في هذا التوقيت بالذات حيث العلاقات بيننا والجزائر ليست على ما يُرام ، يجعلني ألتمس منك أن ترده لي سالماً لغاية هذا البيت ن أتعاهدني على ذلك" .؟

أجبتها على الفور :

"أعاهدك ما دمتُ حياً ، وأيضاً أن أضعه على الطريق الكفيل بضمان مستقبله" . (يتبع) 

( الصورة للأستاذ المسرحي بنيحيى العزاوي)        

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

aladalamm@yahoo.fr

https://assafir-mm.blogspot.com

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الخامس

تطوان : مصطفى منيغ

... أصبح الحذر سمة فارضة نفسها بجدية ، فاليوم ندشن بداية التحضيرات الأولية ومحاولة بناء القالب الدرامي للعمل المسرحي الكبير ، كما جاء به تصور كاتب ياسين ومن معه ، ومفروض عليَّ ترجمته حواراً يجسِّد ما قد يصبح علامة بارزة على تدخل الجزائر في شؤون جارتها الداخلية ،الحقيقة كم هو صعب عليَّ إخفاء عدم رغبتي القيام بعمل وأنا بالفعل أقوم له ، جزءا لا يتجزأ من خطة اعتمدتها وصولا للحظة الصفر المنشودة عن قناعة أن مثل الصعوبة تتبخر بالدفاع عن قضية وطني داخل جو ملوَّث بالحقد عليه من طرف حكام بعضهم ترعرعوا داخل ترابه كما وقع للهواري بومدين الرئيس ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة في مدينتي "أَحْفِيرْ" حيث اشتغل في محطة وقود بالنسبة للأول ، و وجدة فيما يخص الثاني الذي كان يتعلم الحلاقة في دكان لا زال كائنا في شارع مراكش إلى الآن .

أقنعتُ كاتب ياسين أن المسرحية وقد اختار لها الهواري بومدين نفسه ، عنوان "المسيرة الحمراء" ، لن تؤدي دورها السياسي المؤثر لدى الرأي العام المحلي والدولي ولن تزرع مفعولها المحدَّد كمفهوم لموقف الجزائر الرسمي من الحدث في أذهان القائمين على بسط ما يوقف الزحف المغربي لاسترداد الصحراء ، إلا إن كانت المسرحية مجسَّمة على الخشبة لممثلين مغاربة ، لما يرمز ذلك عن وجود معارضة قوية من داخل المغرب ، غير راضية على المسيرة الخضراء ، وما قد تتسبب فيه من تفجير خطير يطال استقرار المغرب العربي ،وأخبرته أنني راحل إلى مدينة "وجدة" لجلب مثل الممثلين الأكفاء القادرين على تشخيص الرئيسية بإتقان يثير إعجاب الجميع ، وعليه الاتصال بالوزير المعزوزي كي يلحقهم موظفين بالفرقة التابعة لوزارة العمل الحامل حقيبة مسؤوليتها في الحكومة الجزائرية مما يضمن لهم البقاء في الجزائر حتى لا يتعرضون لأي انتقام إن فكروا في العودة لوطنهم بفرط الحاجة .

... بالتأكيد كنتُ على اتصال بالقنصل العام للمملكة المغربية بالجمهورية الجزائرية ، في وقت غاب فيه السيد "السنوسي"السفير المغربي لأسباب ظلت غير مفهومة ولا معللة لدى الحكام المحليين ، كنت على ثقة أن القنصل العام "بناني" ن وعرفته "باشا" على مدينة "القصر الكبير"، حيث لقبوه أهاليها بصاحب القلبين ، ، كنتُ على يقين بمحدودية تحركاته مهما كانت المواضيع والأفكار المطروحة تستوجب السرعة في التعامل والمعالجة  ، امتثالا لما تفرزه حالات التوتر من غليان المفروض مواجهنها بتضامن وثيق بين أفراد الجالية المقيمة هناك ، ومن يمثل دولتهم شرعاً وقانونا ، لذا أطلعته على القشور ما دامت مساهماته ظلت متواضعة لدرجة مدعاة للأسف الشديد ، كم من معلومة ضيَّعَ قيمتها وكم وكم وكم ، لكنه التاريخ صفحات من حقائق مكمِّلة أحداثها بعضها بعضاً أردتُ طرحَ تفاصيلها هنا ، لم يكن نفس القنصل العام أنني سأغادر الجزائر حياً ، لكن الأعمار بيد الله ، في نقاش دار بيني والسيد "إدريس البصري"وزير الداخلية ساعتها ، أطلعني على أشياء الأسوأ فيها الصعود على ظهر الغير وصولا لمنصب لا يستحقه ، لقد عُيّنَ القنصل العام المذكور "عاملا " على إقليم "الصويرة" بفضل مجهودات جبارة نسبها لنفسه والحقيقة أم مصطفى منيغ مَن عرَّش حياته للخطر وأنجزها برمتها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

... اتصل بي كاتب ياسين ض وكنت ساعتها صحبة الفنانة "جليلة عابد" حرم زميلي تيسير عقلة ، أتفق معها على لحن أعدته خصيصاً لها مناسبا لصوتها ، وأخبرني أنه في الطريق إلى مقر الإذاعة والتلفزيون ن فيأخذني من هناك للقاء شخصية مهمة لم يفصح عن اسمها ، بالفعل استقبلنا الشخص المغني (والمسؤول الكبير ، إن صح التعبير في فيلا أنيقة تتوسط حذيقو مهتم بها من طرف متخصص لما يظهر فيها من تنسيق يثير اهتمام من كان مثلي يدقق في عمق ما يراه ، فتيقنت أن المكان رسمي للغاية ، قد يكون موضوع رهن إشارة مصلحة من المصالح المخابراتية ذات العلاقة المباشرة مع رئاسة الحمهورية الجزائرية ، حاولت التركيز ما أمكن للخروج من هذا اللقاء المبهم ناجحاً بكل المقاييس المطلوبة . بداية وجدت نفسي وسط عقلين لشخصين متعاونين لاستخراج ما اتفقا مسبقاً على استخراجه  من عقلي ، وإن كان الأسلوب يبدو طبيعياً إلا أن الأسئلة المطروحة عليّ من صنف أكد لي أن طارحها "مخابراتي" متنكراً في لباس لا يواتيه أصلاً ن ، وحتى الفيلا ليست بيته بالمطلق ، استطعت التكيُّف مع مواجهة غير متكافئة انطلاقاً من وجودي منفرداً حيال عدد من التقنيين المندسين في أمكنة معدة للتسجيل بالصوت والصورة ، وكثر من ذلك ما يطلق عليه المختبر الفكري المتنقل لتبادل الحكم على المعلومات المصرح بها كأجوبة (على ما يُطرح كأسءلة معدة بدهاء صعب إدراك ما ترمي اليه للإحترازمنها في ذات اللحظة) ، إن كانت صحيحة على درجة مقبولة من الصدق أو لا .

سألني صاحب البيت الافتراضي :

هو / أتعرف مدينة وجدة جيداً ؟

أنا / كمعرفتي بالجزائر العاصمة

هو / كيف ؟

أنا / ما يهمني من أي مدينة الجزء الذي يناسب تحركاتي العملية / المهنية ، اتصالاتي المجتمعية كإنسان يشق طريقه في الحياة .

هو / هل تفصح عن ذاك الجزء المقصود في كلامك وأنت في مدينة وجدة ؟

أنا / ساحة البحر المقابلة لمقر البلدية ، وصولا إلى السوق المغطى ، حيث مقهى تواجه بناية المحكمة الابتدائية ن شخصياَ أطلقت عليها اسم "البؤساء القارب من إذاعة وجدة الجهوية .

هو / أخر الذين قابلتهم هماك ؟

أنا / قاسم اجداين ، قضاض المنور ، يحيى الكوراري ، عمر بلشهب .

هو / أكنت من زبناء مقهى " لا كولومبو" ؟

أنأ / زبون عابر .

هو / باحثا عن أحد معي .

أنا / عن عمر بلشهب مدير إذاعة وجدة الجهوية سائلا إن كانت المؤسسة في حاجة إلى برامج جديدة انتجها لفائدتها وحينما اظلعت على النتيجة السلبية قررت الرحيل الفوري إلي العزيزة الجزائر، والباقي قد تكون عرفته من الزميل كاتب ياسين .

هو / هل ستجلب أبطال مسرحيتك " المسيرة الحمراء"من ذاك الجزء الوجدي المتحدَّث عنه أم من جهة أخرى ، داخل نفس المدينة أو خارجها ؟

 

أنا / أولا المسرحية ليست مسرحيتي ، بل كلفتوزارة العمل في الحكومة الجزائرية الحالية صديقنا المشترك كاتب ياسين للإشراف عليها ، علما أن عنوان "المسيرة الحمراء " مختار من الدوائر العليا ن والغلاف المالي المغطي لمصارف انجازها مخصص من ميزانية الوزارة المذكورة ، المأخوذة أصلا من أصلا من الميزانية العامة للدولة الجزائرية ، شخصيا كُلِّفتُ بمقاسمة كتابة نص الحوار المسرحي مع نفس الصديق وأيضا المساهمة لما أراه يقرب فكرة الحدث المعالج في قالب فني للواقع المعاش ، وفي هذا الصدد اقترحتُ أن تُنسب الأدوار الأساسية لإلى ممثلين مغاربة يعلن على أسمائهم وبلدهم الأصلي لضر ب عصفورين بحجر واحد ، لذا أنا ذاهب إلى وجدة    على أمل أن أجد من يقوم بالمشاركة في هذا العمل الضخم الذي سيُعرض مَن له وزن في هذه الدولة الوازنة لا في إفريقيا وحسب ولكن عبر العالم .

هو / مبدئيا شيء رائع . هل من الممكن مغرفة العصفورين اللذين سيتم ضربهما بحجر واحد أستاذ مصطفى منيغ ؟.

أنا / أولاً الإعلان عن بروز معارضة مغربية للمسيرة الخضراء عن طريق هؤلاء الفنانين المغاربة وهم يشخصون العَرض مباشرة بأنفسهم من خلال حوار واضح يقر بذلك ، ثانيا إبعاد التهمة عن الحكومة الجزائرية بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة مجاورة ، بما يعينها مستقبلاً على ف رض أي جواب لسؤال قد يُطرح بهذا المعنى في مجلس الأمن أو في إحدى الجلسات العمومية لهيأة الأمم المتحدة .

... لهذا الحد وصل بنا المقال في ذلك المقام ليبدأ ما يدل على طمأنة العبد لله بكونه أصبح مخل ثقة ، ومع ذلك رافقت الحذر في أي اتجاه قصدته ، ولم أظهر أية علامة قد تلحق أدنى شك في مصداقية ما أدعيه لدى الطرف الجزائري ، بل كل المؤشرات متى زرتُ موقعاً حكومياً له ارتباط بالثقافة والإعلام ، تؤكَّد لي نجاح خطتي بدقة ما كنتُ أتصورها لولا محبتي لوطني واقتناعي بمستوى التضحية التي سأبذلها مساهمة في تحرير الصحراء المغربية انطلاقاً من قلب الجزائر.(يتبع)

(الصورة : مدينة الجزائر العاصمة)             

   مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

aladalamm@yahoo.fr

https://assafir-mm.blogspot.com

الاثنين، 3 أغسطس 2026

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع

بغداد : مصطفى منيغ

... أصبحتُ معروفاً لدى شرائح عدة من المجتمع الجزائري ، وكذا النخبة المُميَّزة الشاغلة بعض وظائف الدولة ، المهم فالأهم فيها ومنها، وأيضا الشاملة تلقائياًبعض الشخصيات ذات الصيت الدولي كالأديب والمؤلف الروائي العبقري المُغترف بكتاباته فطاحلة الأدب والفن المسرحي الفرنسيين  "كاتب ياسين" الذي اتصل بي طارحاً عليَّ مقاسمته عملاً مسرحياً ضخماً ، موضوع لتنفيذه غلاف مالي يفوق متطلبات إنتاجه بكثير ، تمَّ اللقاء بيننا في جلستين ، الأولى في بيته خُصِّص للتعارف أكثر وأزيد ، فالتحاور المباشر الحر في مجال تقنية التأليف المسرحي كنص ناقل الخيال كواقع ناحرك زمنا ومكانا فوق خشبة محدودة المساحة ، بحضور متفرجين من أعمار مختلفة وإمكانات فكرية متباينة ، بهدف تبليغ رسالة ما لإشغال العامة بفكرة ما ، تفرض نفسها إن جاء العمل بأركانه الخمسة ناجحاً ، أما الثانية فداخل بناية كائنة بشارع الكولونيل لطفي مهجورة ظلت لردح من الزمان تسلمتها وزارة العمل من الفرنسيين بعد رحيلهم ن ليضعها الوزير المعزوزي كمقر لتنفيذ المشروع ، وقد ارتبطت هذه الجلسة بدراسة الخطوط العريضة لمسرحية تريدها الجزائر الرسمية كمقدمة للتشويش البعيد المدى على مبدح المسيرة الخضراء الملك الراحل الحسن الثاني ، عساه يكف عن تنظيمها .

... انطلاقا من هذا اللقاء أصبح مقامي في الديار الجزائرية يشهد عداً تنازلياً ، لقد وضعني "كاتب ياسين" ومن ورائه من حكام يتزعَّمهم الهواري بومدين نفسه أمام اختيارين لا ثالث لهما ، أن أظل مخلصا لوطني فأخسر كل ما بنيته بعرق جبيني ، بما فيها الأجرة التي التي كنت أتوصل بها منتظمة من الإذاعة والتلفزة الجزائرية البالغة أربعين دينار عن كل دقيقة مُسجَّلة من انتاجاتي ، حينما كانت القيمة المصرفية للدينار الجزائري متساوية مع الدرهم المغربي ن وتتبخَّر الشركة التي حلمتُ بإقامتها للإنتاج الإذاعي والتلفزي على مستوى تغطية حاجيات العالم العربي ، في هذا المجال الأدبي الفني الحيوي ،  أو الاحتفاظ بتلك المنافع المذكورة بل تنمياها إلى الأفضل ، إن حنتُ بلدي واتبعتُ قلباً وقالباً هوى النظام الجزائري ، الرامي إلى إلحاق الأذى بالمملكة المغربية الشريفة .

... طلبتُ من "كاتب ياسين" أن يمهلني لبعض الوقت لأفكِّر جدياً في الموضوع ، فقبل على مضض إذ أسياده يستعجلونه بإقناع مصطفى منيغ القادر على كتابة النص المسرحي بالمواصفات المطلوبة والرسالات الموضوعة لتعميم البلبلة في عقول الرأي العام العربي والدولي اتجاه ما أقدم عليه ملك المغرب من تنظيم مسيرة خضراء ، لن تتوقف إلا باسترجاع الصحراء المستعمرة من طرف اسبانيا وضمها لمساحة مملكته ، الشيء الذي لا ولن تقبل به جزائر الهواري بومدين ، هذا من جهة ومن أخرى حتى يضطلع مصطفى منيغ بدور قيادة المعارضين المغاربة لفكرة إقامة مسيرة من هذا الحجم هادفة لمثل الغاية ن وبمصطفى منيغ يضرب الهواري بومدين عصفورين بحجر واحد .

... هنا يتجلى الوفاء للوطن في أبهى صورة ، وتتقدم التضحية / الضمير مستجيبة نداءه لدى المغربي الواضع رأسه بين كفيه عبر عابئ بما سيقع إن تغلب قرار الشر على اختيلر الخير ، في المواجهة المريرة لحظة الصمود الحقيقي المرتبط بشرف وكرامة وعزة وسؤدددولة وأمة جمعهما المغرب ن هنا يتم تصنيف المغربي المتحمل مسؤولية تمثيل وطنه بما يصدر عنه من قرار ،  شجاعة البقاء وليس جبن الفرار ، فإما النصر أو ولوج القبر .

... هنا يضع الوطن أي مغربي على طاولة المشرحة ليتيقن من حقيقة ارتباط المعني به أقائم على عهد موثق لدى جناحي الحياة في الإنسان قلبه وعقله ، أم القضية مجرد رقم في بطاقة الانتساب ، متى هب ريح الإغراء المادي حط بها حيال مَن يدفع ، لتسجل كصاحبها في شهادة الضياع .

... لم أذق ليلتها متعة الكرى لأقرر ما لعيون الحاقدين على وطني سترى ، ولألقن حكام الجزائر وعلى رأسهم الهواري بومدين درساً يعيدهم إلى قسم "الحضانة" ، عساهم يتعلمون بالتدريج تقنية التخطيط بمقوماته العلمية وأبعاده المرحلية وتأثيراته السطحية كالجوهرية ، لإتجاز الأهداف المعنية وفق رسومات بيانية محددة نقط التجاذب والتدافع ، وصولا لتمشيط عقول ، قصد ما علق داخلها من غل اتجاه المغرب يزول ، ولأعرِّفهم بسياسة السياسة بتوجهاتها اللينة الرطبة والجافة اليابسة ، المهمة صعبة للغاية ، نجاحها يقتضي وضع أسوأ السيناريوهات لما يمكن أن يحصل لو اكتشف من كلفوا بمراقبتي على امتداد الساعة ، أنني قلبا وقالباً مع وطني المغرب ، أخطط بدوري لتكون النتيجة التي أسعى إليها (مهما كلفتي إنجازها على أرض الواقع) لتصبح عبرة لمن سوَّلت له نفسه التفكير في شراء ذمم المغاربة الشرفاء المقيمين هناك خلال تلك المرحلة بالذات ، حيث السلطات الجزائرية مستعدة للدفع المالي بسخاء حاتمي وبالعملة الصغبة لابتياع ما تشوِّه سمعة المملكة المغربية . لقد كنت أحد الأكثر اطلاعاً بما يخططه الهواري بومدين لتضييق الخناق على اجتهادات العاهل المغربي قصد تحرير ما تبقى من أرض مملكته محتلاً وفي المقدمة الصحراء ، أحيانا المعلومات القيمة كانت تصلني حيث أكون ، دليل اطمئنان كانت المخابرات الجزائرية ، تمثل به دور دور الاعتراف بأنني أصبحت أحد المندمجين سياسياً كأضعف الإيمان مع رغبات القبادة الجزائرية ذات الصلة ، بل أكثر من ذلك إحضاري كإعلامي في بعض الاجتماعات السرية لحد ما ، ومنها الأكثر تأثيراً على نفسيتي ، بل عكس ما كانت تتوقع تلك الجهات ، شكلت درجة متقدمة بالنسبة لي في الحفاظ على حبي لوطني أكثر من حبي لنفسي ، بل أضافت لتحمسي في اتقان ما يؤهلني على أداء تلك المهمة الصعبة التي أقسمتُ أن أعيش لتحقيقها أو أستشهد دونها ،

... أصبح الحذر سمة فارضة نفسها بجدية ، فاليوم ندشن بداية التحضيرات الأولية ومحاولة بناء القالب الدرامي للعمل المسرحي الكبير ، كما جاء به تصور كاتب ياسين ومن معه ، ومفروض عليَّ ترجمته حواراً يجسِّد ما قد يصبح علامة بارزة على تدخل الجزائر في شؤون جارتها الداخلية ،الحقيقة كم هو صعب عليَّ إخفاء عدم رغبتي القيام بعمل وأنا بالفعل أقوم له ، جزءا لا يتجزأ من خطة اعتمدتها وصولا للحظة الصفر المنشودة . (يتبع)

(الصورة : كاتب ياسين)

   مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثالث

 

من وراء المسيرة الخضراء  / الجزء الثالث

بغداد : مصطفى منيغ

وجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ المُخَوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة ، أو يقطع عليّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ عبد القادر نور الذي مدّ َلي  ورقة بيضاء وقلماُ حبره أحمر ، طالباً مني أن أكتب خاطرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ، كانت لحظة رغم قصرها حسبتُها طويلة مقلقة ساد أثناءها صمت غريب انتهى بتكريسه ذاك الكلام الذي شكل في الواقع أول خطوة أقطعها داخل تلك البناية المكونة من ثماني طوابق الكائنة بشارع الشهداء رقم 21 ، لم يكتفي الأستاذ نور مرحباً بشخصي بل اصطحبني لقسم شؤون العاملين لأوقع داخله على عقد عمل رسمي وأتوصل بدفعة مالية محترمة تحت الحساب ، ومنذ اليوم الثاني عكفت على تأليف مسلسل "الشيطان"، فكان بحق من أجود وأنجح المسلسلات المذاعة طيلة شهر ساهم في تخفيف السير في ساعة معينة ليس في العاصمة وحدها وإنما على مستوى الجمهورية الجزائرية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ، بما أثاره من استحسان  وما أظهره من تقنيات كتابة متخصصة فيفي المجال ، لم تكن معهودة بتلك الدقة في الوصف  وكثافة المعلومات ، أضف على ذلك براعة الإخراج الذي أبدع فيه الأستاذ "الكيتاري" التونسي الجنسية ، والعناية والاهتمام بالعمل الضخم الذي أبداه الأستاذ "أحمد بولعواد"  المشرف على ما كان يُسمَّى بأستوديو إذاعة شارع "أحمد زَبَانَة" لاَ رُوشْ سابقاً ، وُضِع رهن إشارة المسلسل تدريباً وتسجيلاً ، وبالتالي العدد الهائل من الممثلين والممثلات المنسجمين في إعجاب ملحوظ بالشخصيات التي يتقمَّصونها بإتقان فاق الوصف ، فهنَّأني الأستاذ "الشيخ الدَحَّاوِيّ بكلمات مؤثرة لا زال صداها يرن بكرم ونبل معانيها في أذني لحد الساعة ، وإذا علمنا أن الأستاذ السيخ الدحاوي يمثل ركناً وازناً من أركان تلك المؤسسة ن لما يختزن فكره من غزارة علمية وباللغة العربية الصحيحة السليمة ن علمنا وقع كلماته الطيبة في نفسيتي ، وأنا في بداية السلم أتسلَّق النجاح الحقيقي درجاً درجا ،الأستاذ الكبير عبد القادر نور جاء موقفه من المسلسل في تصريح خص به الصحفيين قائلا : "الأعمال المُقدًّمة من طرف الأستاذ مصطفى منيغ ستخلق نوعاً من المنافسة داخل الجزائر في مجال الإبداع والتأليف لأشكال أدبية متنوعة لها قيمتها بالتأكيد ، ستعود بالنفع على الساحتين الأدبية والفكرية داخل الجزائر وخارجها" ، بالفعل تم التعاون في هذا الإطار والعديد من رجالات ونساء الأدب والفن وأيضا السياسة ، والكثير من التقنيين داخل تلك المؤسسة الإعلامية الموقرة ، فكم هي تلك الجلسات الممتعة التي شاركتُ فيها كبراء الفكر والسياسة داخل العاصمة وعبر مدن غيرها مثل وهران التي قدمتُ لمدير إذاعتها الأستاذ الصديق "الصايم" مسلسل "الحقيبة السوداء" ، كما ساهمت في العديد من البرامج منها "ألحان وشباب" المُعد من طرف الفنان (فاقد البصر) "مُعْطِي بشير" ن علماً أنني قدمت قطعة مغناة بصوتي ومن ألحاني ، سمعتها مُذاعة في مناسبات عدة ، كما لي من المساهمات ما يضيق الحجم عن نشره ، لا زلتُ محتفظا بأغلبيتها كذكرى تقربني متى عدتُ إليها من تلك المرحلة المهمة في مجرى حياتي المنتهية أواسط السبعينيات من القرن المنصرم .

... مرة وأنا أنتظر المصعد بعدما ضغطتُ على زر توقفه في الطابق الثاني فلما انفتح بابه قابلتني مفاجأة من العيار الثقيل ، الرئيس الهواري بومدين وهو يطلب مني الصعود رفقته ووزير الإعلام في حكومته والرئيس "عبد الرحمان شريط " المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية ، بل أمرني بالجلوس معهم في نفس الطاولة لتناول الطعام مع موظفي وعمال المؤسسة الإعلامية الضخمة الطي زارها ذاك اليوم ذاك اليوم المشهود رئيساً للجمهورية من تلقاء نفسه دون سابق إعلام وبلا ترتيبات برتوكولية ، فاتخذها الجميع مناسبة من طُعْمٍ جديد يهيئ لشيء مُبتكر على الدار التحمُّس للعمل في إطاره بأقصى قوة ، ونحن نتناول الطعام بادرني الرئيس باستفسار يعني خلفية وهدفاً مقصوداً وراءه امتحانا مباشراً لأفكاري عن سبب سأعرفه في النهاية مع مغادرة فخامة الرئيس الطابق الثامن من تلك العمارة التي أطلقتُ عليها في إحدى مقالاتي المنشورة لقب " مقر صوت الشعب الجزائري"  سألني :

هل توصلتَ لمعرفة الشيطان بعد مسلسلكَ الذي يجمل اسمه  يا أستاذ منيغ مصطفى ؟

أجبته دون تردد لكن لـدب جم :

قد يكون معنا داخل هذا المقهى / المطعم مندسا خلف ملامح منافق انتهازي حاقد على أي شيء  يشم فيه رائحة النجاح ، لأنه يترعرع نشاطه مع الأقبح ،  وفي جو اليأس يمرح ، ويبهج مع الهم والفم إن سيطر على فضاء أي محيط محدود بأمتارٍ قلَّة أو كيلومترات أوسع مما نتخيَّل بدايتها كنهايتها .

قطعني الرئيس مبتسماً عن غير عادته قائلاً :

إني أتابع حلقات "الشيطان" من مكتبي ن وهل هناك جديد ؟ .

أجل فخامة الرئيس ن مسلسل آخر عنوانه "السنبلة الحمراء" في ثلاثين حلقة .

وقف الرئيس وودع الجميع وبقيتُ في مكاني أتفحص تلك النظرات المسلطة عليَّ بكيفية مقلقة ، فلم أجد مخرجاً من الوضعية التي لم يكن يد في ترتيبها إلا الوقوف للانصراف ن وما هي إلا خطوات حتى لحق بي الكاتب الخاص للسيد المدير العام ، طالباً مني مرافقته دون أن أعرف إلى أين ، حتى أدركتُ مع الاتجاه المأخوذ أن المدير العام نفسه رغب في رؤيتي لأمر هام ، بالفعل صدق حدسي حينما أخبرتي السيد عبد الرحمان شريط أن رئيس الجمهورية بادر باعطاء تعليمات بانتاج برامج إعلامية إذاعية وتلفزيونية تخص الثورات الثلاث التي استحدثها لنقل المجتمع الجزائري من مرحلة إلى أخرى ، قادرة على إلحاق الوطن بركب الدول المتقدمة وهي ك الثورة الثقافية والثورة الاقتصادية والثورة الفلاحة ، في هذا الملف الذي أمنحه إليك (كما خاطبني) ، مباشرة بأمر فخامة الرئيس ستجد فيه أستاذ مصطفى منيغ المعلومات والبيانات المتعلقة بالموضوع ، خذ لنفسك أسبوعاً تتفرغ فيه لقراءة تنفذ لأعماق الأعماق المرسومة لديه رسماً لم يترك أي جانب من جوانب ترسيخه كبرنامج مرشح لتنفيذ تصميماته خدمة لصالح الجزائر دولة وشعباً. أحسستُ ساعتها بالرغبة في الاعتذار لولا طموحي الذاهبة في أبعادها لإبى تأسيس شركة للإنتاج الإذاعي و التلفزيوني على مستوى تغطية حاجيات المغرب العربي كمرحلة أولى ثم العالم العربي برمته ، يكون مقرها الجزائر العاصمة ، بما يتطلبه التأسيس من غلاف مالي كبير وتراخيص السلطات الجزائرية المعنية نلذا مسألة الاعتذار تخليتُ عن التفكير في شأنها وأنا أتصفح أول ورقة من الملف المذكور داخل غرفة في فتدق اخترته في المنتجع الصيفي الهادئ "لاَمَدْرَاكْ" سابقاً "الجميلة" حاليا .منتجع في حجم مدينة صغيرة شاطئية ذي تركيلة سياحية صرفة بميناء صيد متواضع ، كلما قَرُبَ الفجر على الصغود مغطيا بنور الضياء رويدا ظلمة الليل في جو شاعري عز نظيره ، جلسنا في جانب منه نحن الثلاثة ، مصطفى منيغ ، والحاج العَنْقَة الفنان الأصيل وأحد أعمدة الفن التقليدي الشعبي الجزائري ن والموسيقار السوري تيسير عقلة رئيس جوق الإذاعة والتلفزيون الجزاسرسة آنذاك ن لنأكل سمك السردين المشوي على الفحم ن العائد به طريا البحر الزاخر بالعطاء المتجدد طبيعياً. (يتبع)

        

         مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثاني

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثاني

بغداد : مصطفى منيغ

... فما عشناه نحن المغاربة في وسط تلك الديار الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساُ تنكروا للجميل ، وحاولوا جرَّ بعض ضعاف العقول ومرضى النفوس إلى إلحاق الضرر بمن ربط مصيره بمصير وطنه المغربي ، أو أظهر تدمره بما يُحاك في الخفاء من أعمال أقل ما يُقال عنها أنها منافية لتضحيات الشهداء المغاربة الذين ضمتهم التربة الجزائرية وهم يدافعون عن حريتها وانعتاقها واستقلالها .

إنها الصورة الحقيقية للكفاح المرير الذي خضناه نحن المغاربة في الجزائر ، مساهمة منا في تلبية النداء الملكي للمشاركة في المسيرة الخضراء المظفرة ، أسترجعها اليوم وكأني أعيشها منذ لحظات فقط ، متضمنة حقائق تُنشر لأول مرة .

... وجدت نفسي وحيداً بعدما ودَّعتُ آخر شبر من التراب المغربي في اتجاه " للا مَغْنِيَّةْ" ، أول خطوة لي في البلاد الجزائرية الشاسعة الأطراف ، أواجه سكونا لا يعكِّرُ صَفْوَهُ إلا هبوب ريح ينبئني بمقدم ليلة ماطرة باردة ، وكم هو صعب قطع أية مسافة مشياُ على الأقدام ، صاعداً هضاباً بلا لأنيس أحتمي بدفء الدردشة معه في مثل المواقف العصيبة ، وطرداً لكل صورة يلتقطها الخيال ، وقد أمسكت بي دورية شرطة الحدود ، أو من الدرك أو الجيش الجزائري ، في تلك الفيافي شبه القاحلة إلا من دورٍ متواضعة منتشرة هناك على مرمى البصر ، يتجاهلها كل مار مثلي تفاديا للمساءلة المتبوعة بما لا يُحمد عقباه ، وحتى أشغل نفسي بأي شيء ، تذكَّرتُ القائد "الراشدي العلوي" ( الكاتب العام لعمالة أقيم زْوَاغَة مولاي يعقوب  وعامل إقليم أَزيلال سابقا) ، وهو يسألني ( داخل مكتبه بمقر باشوية وجدة ، حينما أخبرته بذهابي إلى الجزائر) عن السبب الذي جعلني أفكر في القيام بذلك ؟؟؟، ابتسمتُ وقلتُ له حرفياً : قد أعود يوماً ما من هناك ، وأطلعك عن جواب قد ينفعك مستقبلاً ويهديك لمغرفة أن المغربي المؤمن بقضية تخدمه وبلده ، إذا عزم على شيء ليس بمقدور أحد منعه سوى خالقه ، كان القائد الراشدي العلوي شاباً أنيقاً معتزاً بنفسه جد مقرب للباشا " بِنْعُودَة عُصْمَانْ" ن الشقيق الأكبر والأب الروحي للسيد "أحمد عصمان" رئيس الحكومة سابقا ، مما أعطاه حضوراً على صعيد السلطة محلياً ، مَن رضي عليه مطمئناً ، ومن ضايقه ولو بسماع مباشر لمثل الكلمات التي واجهته بها ، عليه أن يحتاط من أي غضب قد يشمله ، لكنني أكبر من دلك بكثير ن لا يهمني إلا ما أظهره من مواقف أتخذها وأنا على حق ، والأيام كفيلة بإنصاف تلك المواقف وجعلها نبيلة تستحق الإعجاب والاحترام .

... لم أشعر بالعياء لكن القلق ازداد مع ازدياد الظلام الكثيف ، مانعاً الرؤية الواضحة لسلوك أنسب المسالك ( حتى وإن سبق أن تدرَّبتُ في قرية "بِرْكَنْتْ"كما كانت تُسمى قبل استبدالها لاحقاً "بعين بني مَطْهَرْ"البعيدة عن "وجدة" في اتجاه "تَنْدْرارَهْ" ف"إبُوعَرْفَة" ثم "فِجِيجْ" بما يقارب الثمانين كيلومتر ) على المشي ليلاً  وفق مقاييس معيَّنة ،  لكن الجو ما كان مُسعفاً ولا مُعترفاً لا بتقنية المشي ليلاً بدون إنارة ولا بخرائط ، ولا مناص من الموضعية إلا بالصبر والتبات والتضرُّع إلى المولى جلَّ وعلا  ، وبالتالي عدم التوقُّف عن المسير وإن اتخذ شكل البطيء بصلابة إرادة لا تُقاوَم .

... قبل الاسترسال استرجاعاً لتلك المواقف المشهودة في حياتي خدمة لوطني المغرب مع التدقيق قدر المستطاع ، في وصف الأحداث التي التي تعرَّضتُ لها وفق منظور صادق يُقَرِّب الأشياء بعضها لبعض ولا يفرِّق ، إذ الشعب الجزائري في نظري المتواضع شيء ونظامه (كما عايشتُ شخصيا) المتحكم المطلق في تدبير شأنه في المجالين المحلي كالدولي شيء ثاني ،  همان استثناءات لكنها تبقى بسيطة غير مؤثرة ، أصحابها أناس (وإن كانوا أقلية)تجاهلوا النضال البطولي المرير الذي خاضه المغاربة الأحرار جنبا لجنب مع المجتهدين الجزائريين الأبرار ، ضد المستعمر الغاشم المشترك لبلديهما ، الاستعمار الفرنسي ن في ربوع وجدة وهذه الطرق التي أقطعها في اتجاه مدينة للا مغنية ن ن مواقع كثيرة منها حافلة بما يرمز لتلك المرحلة التي أتمنى أن لا ينساها كلاهما ، إذ مصيرهما لا زال مشتركا وسيظل ، لأن الإنسان مهما بلغ من القوة لن يستطيع تغيير الجغرافية ، ومَن يعرف المنطقة مثلي يصعب عليه التفريق بين هذا مواطن مغربي وذاك جزائري .

... قلتُ قبل الاستمرار في استرجاع الوقائع ، أود أن أسجل أن المتحدِّث َ عن الجزائر واجب عليه التوفر على شروط قد يتجاوزها حتى التعداد الخاص التالي :

عاشراً: أن يكون مُدركاً عمق الخطورة المقبل عليها في هذا الظرف بالذات والبلدين المتجاورين بحكم الطبيعة والتصوير من الفضاء ، ما لا يتركا أدنى شك أن "السعيدية" امتداد ل"بور سعيد" ، وهذا الأخير خلفية لا يحدها سوى حكم البشر، دون الدخول في تفاصيل أخرى ن انطلاقاً من "عين الصفراء"إلى "بني ونِّيفْ" إلى "زوج بغال" ، أصحاب الأراضي المغنية لا يخفَى عليهم سر ما أقصد ، خاصة إن كان المتحدث كما سأفعل ينطلق من الحياد الإيجابي الذي لا تسوقه العاطفة الجوفاء لتفضيل هذا الجانب على ذاك إلا "مُدافعاً" عن الحق متمسكاً بإنصاف كل زوايا وإن كانت إحداها سياسية بالطبع .

تاسعاً : أن يكون دارسا لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال ، خاصة وأن الشعب من حيث العقلية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، ونكهة اللغة المخاطِب بها عربية عامية أو فصحى كانت ، أو أمازيغية قبائلية بنكهة لا تتكرر إلا في الجزائر طولا وغرضاً ، وتلك هوية أراد الميتعمر الفرنسي على امتداد قرن ونيف طمسها ولم يجد لذلك سبيلاً ، وقبل الفرنسيين حاول الأتراك ذلك ولم يتركوا غير ألقاب وأسماء أعظمها تبدَّدت من تلقاء نفسها ، وأخرى و إن عثرت على موقع قدم فقد اكتفت برسم للذكرى لا أقل ولا أكثر .

ثامناً : أن يكون مختلطا بصيغة المستقبل مع المجتمع الجزائري شمالا وجنوباً شرقا وغرباً ، مؤهلاً لذلك انطلاقاً من "كان" بصيغة الماضي مادامت المسافة بين الصيغتين تتواصل بمتابعة يومية يغوص الفكر أثناءها مع ما يجري على أرض الواقع لإنتاج إجابات على أسئلة ثلاث ، لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ . "ورغلة" ك"عنابه" ك"وهران" ك"تلمسان" ك"سيدي بلعباس"  مدن جزائرية كعشرات أخريات المزروعة على خريطة الجزائر ، لكن لكل منها خاصية تميزها عن شقيقاتها بما يضفي جمالية كموقف أو معلمة ترمز لعبقرية ما ، تصارع الزمن لجدارة ما تمثله حقاً ، فظلت شاغلة حيِّزاً في موروث ثقافي شعبي داخل محيط نظيف من شوائب التقليد الأعمى المستورد من بلاد لا تعترف بالأصالة الأهلية المحلية ولا تحترم البداية .

سابعاً : أن يكون على توافق أكيد مع ضميره مادامت كتابة مبنية على أسس علمية تخص ركناً من أركان يحيا الإنسان معها مستكشفاً عالمه الخاص للدفاع عن ترسخه كأمانة حمَّله إياها عند النضج السلف الصالح مدونة في وثيقة لا يحصرها زمان ولا يضبطها تيار سياسي دون آخر ، منطلقة عبر الهواء المستنشق والشعور بالكرامة كأهم احتياط  مصان ذاخل وجدان تربى صاحبه على قناعة ، أن الأمس كاليوم كالغد لا يساوي الفرد الجزائري فيه أية قيمة إن فرَّط في اختيار توجهت الجزائر بما فيها وما عليها ،الجزائؤية  بتعاقب العصور والأحقاب لتضع نفسها في قالبه مهما طغت الحضارة المستوردة لقوة مصدرها وإشعاع انجازاتها العلمية الباهرة ، لتبقى العمامة الجزائرية المشهود برونقها وذاك "السلهام / البرنوص" الذي زاد الأمير عبد القادر الجزائري البطل هيبة على هيبة ، وهو يرتديه مندفعاً يخاطب الند للند أعتى قوة استعمارية آنذاك فرنسا ، أن للرجال الشرفاء الأحرار في الجزائر هدف أسمى إما المجد أو اللحد .

... ما تبقَّى من شروط لا تعتني إلا بالقدرة على التحاور إنطلاقاً من إدراك مُفَصَّلٍ بمعلومات صادقة عن مضمون عقليتين ، وما تنحصر فيهما بعيداً عن بعضهما البعض من خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بالمطلق ، إن كان الوسيط الدبلوماسي (ومن الطرفين) عديم المعرفة المعمَّقة بما لديهما معاً .

... وصلتُ والخيوط الأولى لفجر يومٍ لن أنساه ما حييت ، رَحَّبَ بي من خلاله القدر، لأدخل في أمنٍ وسلام المدار الحضاري لمدينة "للا مغنية" ، وحتى أصل لأبعد نقطة عن الحدود فكَّرتُ في مواصلة صوب مدينة "سيدي بلعبَّاس"حيث وصلتُ لأستريح داخل بيت أحد الأصدقاء المُشيَّد فوق مسجد ، وبعد ثلاثة أيام كنت وسط العاصمة أسأل أجد المواطنين عن مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لم يكتفي ذاك المواطن الشهم بالأشارات المعهودة أتمم على ضوئها مسيري إ‘لى الموقع الهدف ، بل ألحَّ عليَّ  أن يوصلني بسيارته حينما علم أنني مغربي غريب عن الديار . لم أكن أعرف أحداً بل تركتُ لحارس المؤسسة أن يرشِّحَ لي أحد المسؤولين  لأتناقش معه عسى أن يكون لي نصيب في خملٍ يُجلِسني بذات العاصمة ، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي وجها لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ أمخوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة أو يقطع عليَّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ "عبد القادر نور" الذي مدَّ لي ورقة بيضاء وقلم خبر أحمر طالباً مني أن أكتبَ خاطِرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ن كانت لحظة رغم قصرها حسبتها طويلة مُقلقة ساد أثناءها صمت غريب ثم ... (يتبع)

         مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

أصوات لا تحترم الأموات

  أصوات لا تحترم الأموات تطوان : مصطفى منيغ تتشكل ستائر مُعِدَّة لتغطية أحوال "تطوان"الآنية ، المنسوجة من خيوط هشة أجمل ما فيه...