السبت، 31 أكتوبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4

تطوان : مصطفى منيغ

سألتني مِن جديد :

- كيفَ تَمَّ عبوركَ إلى أن وصلتَ بلجيكا لتستقِرَّ الآن فوق قلبها النابض بروكسيل ؟ .

أجبتها مُظهِراً أنني غير منزعج من تواصلِ أسألتها وكأنها تدقِّق ، ليس عن السبب وحسب بل المُسَبِّب لاتخاذ مثل القرار المصيري داخل صياغ المنطِق :

- أشبِّهُ  في ذلك ذاتي كورقة من غصن زيتونة سمراء الحبات أسقطها الربيع فوق أرض يابسة من شمالية المناطق ، ليجرِفَها سَيْل تَجَمَّعَ لِيَشْتَدَّ سريانه دون مَطَرٍ ساقِط بالتَّدقيق ، ليستقبلها بحر إسبانيا المضطرب بأزمات لتلك الأراضي الأندلسية مُختَرِق ، فتتبع سبيلها فوق محيط فرنسا الهائج لن يقدر عن الضوضاء أن يُفارِق ، لتصل الى نهر بلجيكا الهادئ اليَمِّ  لاستقبالها كممثِّلَة لذاتي بِيُسرٍ يُوافق ، على أمل أن تعود لأفنان أي زيتونة لحبَّاتها المَيَّالَة للبياضِ تُعانِق .

بأدب جم في حديث صادرٍ عن أنثَى مُدَلَّلة ترَى في حُسنِها الخارق ، المتحَكِّم دون وساطة ولكل حدود عدم الانبهار بها حارِق ، مما يجعل مداخلاتها بمثابة أوامر تُستقْبل دون أن يكون لسانها بها ناطق ، يكفى نظرة لتصبغ باخضرار جفنيها عقل أي شاب يتَّخِذُ حياء أصله أهم عائِق ، لتبادل انجذاب نحو رحابة الرغبة بأخلاقه السمحة تضيق . كان سؤالها هذه المرة :

- وكيف وجدتَ بلجيكا عامة وبروكسيل خاصة وأنا أيضاً إن كنتَ معي كما وضعتك في مستوى ذاك المُحِق .

 أجبتها بلغة فرنسية عن قصد لا لُبس فيه لتعلمَ مُسبقا أن المتكلمَ بها دون خطأ على الإطلاق ، يكون أدرى بأهلها الأصليين ولو اختلفوا من حيث الإقامة والانتساب ، يُعرَفون بنكهة منطوقِهم للجُمل ، فالفرنسي بها ليس كالكندي أو البلجيكي ، فلكلٍ منهم نكهة وطبقات مخارج حروف أصوات غير مطابقة لبعضهم البعض ، وحتى تفهمَ أن فرنسيتها ليست بلجيكية بل أتت بها من الخارج وليس المغرب تحديداً ، فأجيب بما مضمونه الأتي :

وجدت بلجيكا لا زالت تنظِّف أطرافها مما صنع بها أدولف هتلر من أضرار  انطلاقا من 10 مايو سنة 1940 وما أعقبها من احتلال ألماني لترابها لغاية  1944  ، ما كان تجاوزها بالأمر الهين بل هي تضحيات شملت كل طبقات الشعب لإنقاذ الهوية المحلية من التلف المُحقَّق ، فالبدء من الصفر بعزيمة تضعها موضع النموذج المُحتذى به في صناعة مستقبل ضامن استقلالها فارِضٍ موقفها الحق ، من قضايا لا تترك ثغرات لتتسرب منها مطامع غرباء عن احترام صلاحية الأهالي لاختيار ما يناسبهم أو يروق ، وبذلك أصبحت بلجيكا بمثابة شعب عامل شديد الإخلاص لما يضيف لبنة من لبنات التقدم والازدهار مع ترسيخ قوة مانعة لحصول ما حصلَ من ضياع للحقوق والأرزاق ، وإن كنتُ عديم الاطلاع حتى الآن باستثناء ما رأيته يُؤكد عظمة تطلع مواطني هذه المملكة لفرض وجودها بما شيدته من معالم ومنها هذه المحطة "مِدِي" للسكك الحديدية ، ومع الوقت سأكتشفُ ما يجعلني أرتاح لإقامتي هنا ما مكَّنني القدر من زمن قد يقصر أو يطول . أما عنك هي قادم أيام حتى أستطيع الوقوف لتقييم  إن كنتُ استحق حَظَّ معرفتك ، أم سيتطور الأمر لبناء ما أودُّ بناؤه على مراحل بعرق جبيني ، كما تقتضيه عادات وتقاليد الأرض الشريفة التي أتيتُ منها ، حيث الرجل تلزم رجولته عدم الاتكال على امرأة مهما كانت واضعة ما تملك تحت تصرفه ورهن إشارته ، أنتِ (ولحد الساعة) إنسانة لا يهمني جمال محياها بقدر ما سيطرَت على عقلي إنسانيتها ، إذ ما شملتني به من عطف يجعل ارتباطي بها ذاك الحلال الطبيعي الآتي عن توافق يديم العشرة ويقوى اليقين أن هذه الأرض تساعد قولاً وفعلاً ، على تبسيط المُبَسَّطِ لإنشاء أُسَرٍ قائمة على تعزيز المحلي بما يعود بالنفع على الصالح العام مهما كان المجال ، أنت لستِ امرأة عادية بل تتمتعين برؤية بعيدة لتحقيق الاستقرار والسعادة ، بعدما منحتك الظروف كل حاجياتك المادية لتعيشين كما تريدين غير ممدودة اليدين لاقتناص زيادة لا تليق بمقامك ، قد تكون هذه اللحظة بداية انسجام بيننا أو فراق مفعم بالاحترام المتبادل والتقدير التام لما صدر عنك في حقي .

... انتبهتُ اليها لأتمعَّن في دموع تطل من حدقيها تمانع الانسياب فوق حدين موردتين بلون شابة فضحتها الحاجة لعاطفة من شكل خاص ، يحن لرنين أوتار كمان في مَقامِ الصَّبَا ، تُراقص الروح رقصات إشباع غير منقوص ، التحاماً كأقصَى مُراد مع مَن تتمتَّع داخل جسده بنفس المزايا ، وفي ذلك يكمن ما يصدر عن مهجة صاحبتها الموجودة بجواري لا زالت عذراء ، قد تساعدها حرية الغرب المتقدم في احترام حقوق الانسان على عامل الانتقاء . فسألتها :

- ما سر هذا التجهُّم المفاجئ وأنت لا زلت على أول الطريق في عالم يرخص لك جرأة العيش كما تريدين لكن بانتظام يحترم طبيعة طرفين وإن كانا متقاربين في الشعور وليس الإمكانات المادية .

أجابت : ... (يتبع)

(الصورة : محطة مِدِي للسكك الحديدية بجنوب بروكسيل)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 3

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 3 

تطوان : مصطفى منيغ

قشعريرة غير مألوفة أحسستُ بها تجتاح بدنِي ، تيارٌ لا يُؤْذِي يُدَغْدِغُ أهَمّ الأحاسيس المُنَبِّهُ لِرَدِّ الفِعْلِ الفَوْرِي أو القاصد التَّأخير لثَوَانِي ، ولمَا فتحت عيني وجدتها أمامي يُلامس كفها شعر رأسي في حنانٍ بنبل يحتضنني ، راغباً في جعل حدٍّ للنوم والنهوض على إيقاع مقاومة تَرَاخِي لاستقبال ما المُلحق المُنجَز ما راودت طموحاتي من أمانِي ، فَتطْرق أذناي جملة "صباح الخير" برنة أرَقّ الأغانِي ، ناقشة بصوت عَذْبِ الصَّدَى على شعورٍ خِلْتُهُ أنْسَانِي .

... ثمَّة مواقف توقيتها رمشة عين عشت تجربتها تُنعِشُ دواخل وجدانِي  ، لا تُكلِّف جُهداً مبذولاً ولا تركيزاً مُسبقاً أصلها عفوية حريصة على الاختفاء السريع حتى لا يُدرِكها العَدّ ألزمانِي ، ولا يحتويها مهما اتَّسعَ الحجم المكاني . قفزت من فوق السرير احتراماً لها خجولاً من حالٍ لتواضع هندام ألْبَسَنِي ، لا يليق بنفس الفراش ولا بأغطيته لكنه الظرف المُلام عما طوانِي ، وكأنني مارستُ السباحة في بحر بكامل بذلتي فكاد انتفاخها يغرقنِي . ظننتُ الفتاة مُقدِّرة أمواج أسفي تكاد لضفة واقع منظرٍ غير لطيف تقذفنِي ، فبدت على بُعْدِ سنتمترات مني ، مرحة عير عابئة بحياء اعترانِي ، فكانت المرَّة الأولي اعثر فيها على مخلوقة بغير نقاش أو توضيح تفهمنِي ، في لحظة وجيزة لطبيعة تعاملي مع الوضع الجديد أعادتنِي ، لدرجة اندمجتُ تلقائياً مع حديث على خُلُقٍ مِثالي يبْقِينِي ، وحركات لا تتعدى قياسات تتجلَّى معها حسنات نية يقيني ، المسالم لما يحصل معه وليس المستسلم إذ مجرد التفكير في الانتقاص من شخصيتي يضنينِي .

خرجنا في اتجاه شارع يعتبر من أرقي شوارع بروكسيل يُدعى (  ANSPACH ) عند مقهى تناولنا فيها الفطار بعدها أخذتني لمتجر شهير هناك لشراء ملابس تليق بشاب ينتظره التألق داخل مجتمع معين وإن كان لا يُقدّرُ الانسان بما يلبس لكنه يستقبل أناقته باحترام أكثر ، وبخاصة تلك الباهظة التكاليف ، القادر صاحبها على تتبُّع صيحات الموضة ، واقتناء المستجدات المساعدة على إشغال الصفوف الأولي داخل مواقع لها وزنها . لم أعارض ما فعلتْه وتفعله ، بل تركتُها تتصرَّف وكأنني أحد أفراد عائلتها الموقَّرة ، التي ولحد تلك الساعة لا أعرف عنها شيئاً ، ريثما أقفُ على حقيقة الأمر ، لكنني كنتُ أحتفظ "بفاتورات" المقتنيات برغبةٍ مُؤكدة أن أعيدَ مقاديرها المالية لمن صرفَتْها لصالحي ، حالما أتوفَّر على عمل وراتبٍ شهري لا بأس به . بعدها كآخر محطة في جولتنا تلك ذاك اليوم المشهود ، اتجهت صوب حديقة (    Le pac Elisabeth)  حيت ركنت السيارة وجلسنا بداخلها لبرودة الجو، لتسألني الحديث عن نفسي والعامل الحقيقي الذي دفعني للهجرة الى بلجيكا تحديدا . أجبتها بالقول :

- أحياناً بالأحضانِ تُسْتَقْبَلُ التَّافِهات ، وبالنفور تُوَاجه الطيبات ، مِنْ نَفْسِ العناصِرِ بالذَّات ، فأيُّ أخلاقٍ هذه تعكس الآيات ، أمِن أجل بقايا فُتات ، مقذوفة في المواسم المعروفة لها محطَّات ، لزُبناء مَحْصِيَة أشكال ما يظهرونها من طاعات ، تُسايِر نفس التِّكرار أم تغيَّرَت فيها صِفات ، داخل موطنٍ لا يقبل التَّجديد وكلّ رافع للرأس مُعاندا بالتَّنديدً رحمة الله عليه فقد مات ، بلا تحقيقٍ ولا معاينة لِما قد تتركه على مسرح الجريمة أية بصمات ، كثير عليه أن يُدْفَنَ مجاناً بجوار إحدى المستنقعات ، غير المُجفّفة عن قصد لإخفاء ما في قعرها من دلائل ويلات ، فَلِتُتْرَك لعصرٍ قادم تُشيَّد فوقها عمارات ، لإسكان المنعَّم عليهم الضَّائع على ألسنتهم السؤال عن الذي فَات ، والحاضر فوقه الشعار الدائم "المفسدون للمفسدات" ، وسَلِم (عن خطأ) مَن فهمَ وأَطْبَقَ على نفسه ب "السُّكَات" ، ليحيا وعياله كالعادة مسلوب الكرامة محتضنا الخرافات ، نافِراً من المُصلحات النَّافعات ، لغاية أجَلٍ لا أجل له محشوٌّ مع كثافة الظلمات ، إلى أن يجدَ نفسه إن دقَّ الفجر الحازم بالحق أنه مضاف لتلك التفاهات منبوذ من سائر الطيبات ، يدور حول نفسه ولا أحد من أسياده بالأمس افتداه ولو بأقل قليل تلك المُخلَّفات ، قبل أن يرحلوا هائمين وقد سُدَّت في وجوههم موانئ البحار والمحيطات ، ومُنِعٌوا مِن التوجٌّه لمختلف المطارات ، ليتسكَّعوا فترة والناس تضحك عليهم في سائر الطرقات   ... الجميل مَن لا يتنكَّر للجميل ، الذي تلقَّاه من الأصدقاء والصديقات ، مهما أوصلَهُ القدر لِما ليس له فيه أدنى اختيار  ، أن يتذكَّر ولو النزر القليل من تلك اللقاءات ، الضاربة (بما تم خلالها من عهود) لبَّ الضمير والناقشة على الوجدان نِعْمَ الكلمات ، والثابتة على العقل باركان الوفاء مهما جرت مِن تغيُّرات ، وأحاطت بهالة الاجتهاد الإنساني النبيل كل الأفكار الزارعة المستقيم لحصاد وفرة الخيرات .

... ثلّة من الشباب كنا لا يفرق بينهم إلاّ الدخول في بعض الأزمات ، حتى لا يدركنا شك السلطات ، الأمنية السرية أم الملحقة بها علانية لنشر مُسكنات ، الآخذ بها محاط وَفَوْراً بالخاصة من القوات ،     الحاصلة على الضوء الأخضر لتكسير أضلع البشر كما تٌهَدَّم المستعصيات ، مِن الأسوار بأمرٍ من حفنة طُغاة ، تولاهم بمثل المناصب الوزير الجنرال أفقير الماسك العصا ودفتر الشيكات ، يداوي هذا بتلك ، وهذه حسب عُقَدِ المزاج بأخريات ، غير تارك لنفس الإدارة وكأنها خلية رهيبة ، يمكن أن تكون أي شيء إلا وزارة الداخلية ، فأي مهنة حابسة لأنفاس الجميع  ، ما كنتُ لأستصيغها ، فقرَّرت العبور لدنيا هذا الغرب لانتقاء الأحسن والأفضل للتمتع بحياةٍ آخرها كبدايتها مسرات(يتبع)

(الصورة : شارع أنْشْبَاكْ من أرقي شوارع بروكسيل)

 

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2  

تطوان : مصطفى منيغ

لم يكن الدافع  للهجرة ، سوى البحث عن أسلوب حياة ، تُواكبُ وعي شاب لمسؤولية التَقرُّب لإنسانية افتقَدَ (حيث أقام) نُبل شيمها وصِدْقِيَة تعاملها مع ترجمة الحقوق المُحصَّل عليها (كشرعية التواجُد عُنصراً ضمن جماعة صالحة مُصلحة ، مُدركة بما يُنسَب اليها القيام به) لواجب مدروسة أبعاده وفق تخطيط يواصل ما وقَف عنده جيل الإباء ، من أعمالٍ تستحق الصيانة أو الإضافة أو إلحاقها بما يتطلبه العصر ، المنسجم مع سُنَّة التجديد المُراد منه التغيير ، لضمان الأجود بدل الاكتفاء بالجيِّد . لذا اخترت المملكة البلجيكية حالما انتهيت من دراسة تاريخها ونجاعة موقعها الاستراتيجي الممثل قلب أوربا النابض بطموحات شعب رغم النطق بلغتين الفرنسية والفلامانية ، في التوحُّد الأساسي المحافظ على تراث الأصل ، والدفاع عن بقائه بإرادة سياسية لا تعرف الخمول ولا القبول بأي كان دون مستوى الشخصية البلجيكية ، المتشبثة أكثر ما يكون التشبث بعشق الحرية والعيش بكرامة واثبات الحضور مهما دَعَا التحضر الانسجام مع وقائع ومستلزمات التطور الواسع الآفاق المحتضن الغير ما دام الخير فوق الأرض وتحتها خصَّ بلجيكا بمقومات الاعتماد على النفس ، وإجادة البناء مع المساهمة المباشرة في إسعاد الناس ، بتوفير الوصول للتمتع بحقوقهم الإنسانية ، وفق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية ولكل شخص قيمة . لم أفكر طويلا حتى وجدت نفسي بمدينة "سبتة" انتظر الباخرة لأعانق جو "الجزيرة الخضراء" ، كأول نقطة سكنية في شبه الجزيرة الايبيربة الشطر التابع لأسبانيا ، واهتمامي كله متعلق بآخر المطاف في رحلتي صوب بلجيكا التي أحببتها قبل زيارتي لها ، وبعد العاصمة مدريد مرورا بالشهيرة باريس يتوقف القطار فاسحا لهذا الوافد الجديد أن يحط الرحال فوق العزيزة "بروكسيل" لأتحسس ما بقي في محفظتي من مبلغ، لكن فرحتي بالوصول الى المقام / الهدف ، شغلتني عما بقي ولا يكفي كأجرة مبيت في أدنى حجرة لأرخص فندق ولو لليلة واحدة . الجو ممطر كان والبرد يكاد يسقط عوارضي من كثرة اصطكاكها ، ما ارتدي لا يناسب الفصل الذي ما حسبت فساوته ‘ الجاعل من بروكسيل مجمع غير محدود من الفارين لبيوتهم أو أي مكان يقيهم من الرقص التلقائي داخل فضاءات لا يعرف فيها الا مقهى شكلت لعقله الحل الوحيد انتظارا لطلوع فجر جديد الأول له في تلك المدينة الرائعة ، التجأت أيها ومن الباب راقبت داك التكدس المستغل لكل الكراسي ، وما هي الا لحظات قليلة من الترقب رأيتها تشير الي ملوحة بيدها وكأنه في بياض بشرته قطعة من مرمر ابيض غير مألوف في مناجمنا حتى الكائنة منها في بعض قرى  مدينة صفرو القريبة من العاصمة العلمية للمملكة المغربية فاس ، لم اصدق بادئ ذي بدء أنها في ذلك تعنيني ، الى أن تيقنت بعد شديد إمعان أنني المقصود بتلك الدعوة المُرسلة بتلك الإشارات اليدوية المرحبة بمن رأته يكاد يرقص على أنغام موسيقى البرد ، قصدتها عن طيب خاطر فطلبت مني الجلوس فوق كرسي بجانبها بل ولتأمر النادل بإحضار فنجان قهوة وقطع من الخبز محشوة بأصناف لم اتبين منها الا الجبن أما الباقي لم اعر له الا اهتمامي بلذته والجوع يرحب بالتهامه في صمت غريب مشوب بفرحة مثل الحلول لأعْقَدِ مشاكلي الآنية آنذاك ، سألتني إن كنت مغربيًا: - أجبتها وكيف عرفت ، قالت : - لآني مثلك أصلاً وجذوراً ، نزَحَت أسرتي الى هنا بعد استقلال المغرب مباشرة ، ليؤسِّس والدي تجارة أستطاعَ بها أن يحقِّق وجوده بين تجار هذه المدينة ، واكتفينا معه بما أردناه بيتاً يضمنا ومناصب شغل لكافة إفراد أسرتنا الصغيرة ، ووفرة مادية تقينا الحاجة لو انقلب علينا الزمان بصروفه غير المرغوب فيها أصلاً ، وأنتَ ما حكايتك ؟ :  

- حكايتي (قلتُ لها) حكاية كل باحث عن وضعية مريحة أساير بها مرحلة أعتقد أنها ستكون الأهم في حياتي ، معيشةً وتعلُّماً وتأسيساً لنواة عائلة أستقرُّ بها كحقٍ من حقوقي الإنسانية لا غير . سألتها :

 وأنت مَن أجلسك في هذه المقهى و التوقيت غير مناسب لمن له بيت وأسرة في هذه المدينة ؟ .

- ابتسمت وعيناها لا تفارق عيناي : ربما قَدَرِي ، كنتُ في "لاَهَايْ" الهولندية مؤدية واجباً يقتضيه عملي ، وعند عودتي من هناك ، قرَّرتُ الاستراحة قليلاً قبل أن أواصل طريقي نحو البيت ، وأنت ؟ :

 فاجأتني بمثل التوسُّع في الحديث ، ما أنت فاعِل ؟ :

 - لا أدي قاطعتها بتلقائية وعفوية تثير الدهشة  .

 نهضت لتؤدي ثمن المُستَهلَك من طرفينا شُرباً وأكلاً ، وأخذتني من يدي متجهة بي نحو سيارة لاستقرَّ داخل بيت لا أحد فيه سوانا ، أطلعتني على جميع مرافقه ، من الحمام الى المطبخ الي قاعة الجلوس الى حجرة النوم ، مانحة إياي مفتاح نفس البيت متمنية لي قضاء ليلة سعيدة ثم غادرت على أمل زيارتي لتناول وجبة الإفطار معا غداً صباحا .

... لم أستطع مقاومة العياء وأقصاه عياء القلق مما هو حاصل غداً مع الفتاة اللُّغز ، التي مهما عصَّرتُ فكري لن أصلَ الى حقيقةِ تصرُّفها معي ، على هذا الشكل الذي أعتبرُ وقائِعه يفوق تهيؤات الخيال ، البارع في تصوير ما لم يقبل التَصَوُّر ولو في الأحلام ، قد تكون ملاكاً يمشي على الأرض ، أو جنية سكنَت جَسد إنسانة بريئة ، أم هكذا المتشبعين بأخلاقيات البلجيكيين المتطوعين عن حسن نية ، لمساعدة المحتاجين وخاصة مثلي في أوقاتهم الحرجة . مسألة أنستني متعة الكَرَى وإغراء هذا الفراش النقي الوثير المكيَّفة الحجرة حيث وُضِعَ ، الأنيقة المرتَّب ما احتوته من كماليات بتنسيق في الألوان ووضعيات لا تملُّ العين من مشاهدتها ، كتلك التي طالما شاهدتها في أفلام تُظهِر مقامات أثرياء هوليود المحيطين عالمهم الخاص بالغالي الثمين ، المساعد على النوم العميق المريح الخالي من التهيؤات المزعجة ، لاسْتَخْلِصَ لمقولة غير غادية ، "دعني أبصرُ غرفة نومكِ لأعرفَ من تكونين" ، ومِن هنا تيقَّنتُ أن الفتاةَ مِن الغِنَى ما يجعلها مِن عالية القوم ، تحيا سِراً لن أرتاحَ حتى اعرفه جملةً وتفصيلاً .

... طبعاً فرحت بنتيجة ما أوصلني إليه قدري ، ومنذ الليلة الأولى من مقامي المُحَقَّق في العزيزة بروكسيل ، حتى وإن كان الغموض أحياناً يجرني للحيرة ومعانات الشكوك . قد نعيش مثل  اللحظات المدرجة في خانة المستحيلات ، ولا نهدأ بتاتاً فالاكتفاء بالامتداد فوق حصير داخل كوخ غير صالح للسكن ، يوفِّر أحسن من ذلك راحة البال وعدم التفكير اللاَّمُنقَطِع ، فيما ينقل من الحاجة المُلِحَّةَ لإنقاذِ النفس مِن ورطةِ المَبِيت صاحبها في العَراء ، والشتاء لا يفتر هطوله ، والبرد يغرز أشواكه المُضِرَّة في بشرة جسده ، الى مثل الغرفة الشبيهة بما لأميرة من الأميرات المكانة المادية اللَّامحدودة ، لترتمي فوق سريرها الناعم المَلْمَس ، الأحَن على احتضان جسد من حقه أن ينعم براحة الراحة ، السابح المنتمي إليه ، في عالم اللاوعي المنعش الحواس جميعها عند الاستيقاظ ، بحيوية زادِ الحياةِ كحياةٍ مِن ورائِها تتخلَّص من حياةٍ بلا طُعم ، لمتطلبات غير ملموسة لحياة ذات طعم ، وآخر نقاش مع النفس قبل أن يتغلب عليَّ النوم كان مجرد سؤال : مَن تكون هذه الفتاة ، ولما فعلت معي ما فَعلَت ؟؟؟ (يتبع).

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل

تطوان : مصطفى منيغ

ما غابت ولن يَتَأَتَّى لها ذلك إذ في ذاكرة إنسان أحبَّها سَكَنَت ، وَصَلَها تائِهاً فاحتضنته مُعَزَّزاً وما احتاجَ ليعيش له وَفَّرَت ، لم تطالبه عَمَّن كان ولِما اختارها بالذات ، وِجْهَةً وعن حقها في ذلك سَكَتَت ، لتُقنعه مِن أوَّل وهلةٍ أنَّ الحضارة الإنسانية في تلك اللحظة لعقلِه لَفَّت ، ليُقارِنَ بين المَتروك خلفه وما يلمسه من ربوع لِمَقدَمِه غَنَّت ، وهو الفتَى الفقير لآهات ألامه سَمِعَت ، فأعَدَّت له الحرية دواء يروي ظمأه إن شَرِبه بمسؤولية على شفائه أعانت ، بحال جَيْبَيْهِ وما يعتريهما مِن سلبية خَواء اطَّلعَت ، فما ضَرَّها ذلك أو لتعاملاتها المادية انزعَجَت ، حيث البداية إرادة يقودها الصِّفْر لتضحياتها قبِلت ، فاليوم للغدِ كما الأخير لبَعْدِه وبين الأول والى ما شاء قَدَر لأشياء بسُنَّةِ حِكمَتِه أحوالها تغيَّرت ، ولها في ذلك كمدينة عريقة الريادة إذ لمتطلبات الحياة الشريفة مِن عهود تفهَّمت ، لتجعلَ مِن كل وافدٍ عليها تلميذاً في مدرسة بيئتها التي بالجدية والاستقامة لدروسها العملية بَرْمَجَت ، لتكونَ قُدوَة للمتوفرين على أخلاق مَحَبَّةِ الغير بضمائر حيَّة بطِيبِ المقال وتوقير ما اعتبرته جديد مجال عَمَّرَت .

... إنها العزيزة "بروكسيل" عاصمة المملكة البلجيكية ومنارة كبريات مدن أوربا العجوز كما شاءت وقررت فنفذت ، عبر أزمنة تباين وجود الدول بمساحة نفوذ أصحابها بقوة السيطرة على جغرافية الجوار ، وما تزخر به بعضها كنوزا ثمينة ملأ بها التاريخ الإنساني صفحات كتب استوجبت تكثيف الحوار ، لتجعل مدينة "بروكسيل" في التشبث بقيم العيش المطمَئِنِّ اعتمادا على نبوغ قاطنيها منذ عصور ، تغلبت على دياجير ظلم الظلام بما وفرته بعرق واجتهاد خرافي تلك الأصناف من أنوار ، تضيف للإضاءة الدفء الدافع على تحصين الديار ، من صقيع حسد الباحثين عن قلب معادلة البناء لمصائب دمار ، فكانت "بروكسيل" في جل المعارك تؤخر جهدها عن ذكاء اختيار ، لتحقيق أوسع وأعظم انتصار .

... وصلتُ اليها بعد عناء طُولِ سفر ، كشاب لكل عالمه الصغير عن ضغط يطول شرحه هجر ، بين يديه من المال القليل وللتعريف بانتسابه وجنسيته ما يسمونه بجواز السفر، لا حقائب لباس ولا ما يغير به ما يبدو عليه من منظر ، مغربي الأصل عربي السمات إقريقي القارة متحرر الأفكار ، يسوقه التفاؤل لمعاشرة مجتمع الأخيار ، التاركين الانزواء والخمول وثرثرة ضياع الوقت حتى تنسل منهم حلاوة الأعمار ، فيجدون أنفسهم ضيوفا على الندم المحتضن مَن ساء lkهم الانتظار عسى أي حلٍ يشفق عليهم ولا يخزيهم هو الآخر .

مذ وطئت قدماي أرضية محطة "ميدي" بعد نزولي من ذاك القطار ، شملني الإعجاب والاطمئنان وكل محاسن الانبهار ، بضخامة المكان وانضباط الحركة صوب أي منفذ في تناسق مع احترام التوقيت كعامل مفقود فيما تركتها ورائي من ديار ، أخَّرَها البطء وزادها خلو حقوق الانسان من أي وقار ، ليرافق الحظ مَن خدم بإخلاص حتى بعد الاستقلال ما بقيت من عناصر ركزها هناك قبل رحيله الاستعمار ، لتكون بمثابة سفراء مساعدة وتعاون حتى تقوم الدولة على رجليها في المظهر ، وعملاء لا يفوتون صغيرة أو كبيرة تخص مصالح دولتيهم فرنسا واسبانيا إلا ومكروا لاجتثاث المُضِرِّ لهما في الجوهر .

...الذكرى تلاحقني وارتاح لاسترجاعها ما دامت مرتبطة بأحلى أيام عمري على الإطلاق ، فيها وجدث القيمة الحقيقية لوجودي كانسان  فوق أرض مشيَّدة بعض من معالمها العمرانية , بعبقرية مهندس فنان ، سابق بما ابتكر من تركيب حجر جنب أو فوق بعضها البعض ما سبق بها ذاك الأوان ، لتكون جواهر من جماد ناطق بلغة صمت يلج حواس كل عاشق للجمال ، مبصر عن بعد أو قرب سر لب عمل يعانق الدهر إلى يوم ينتهي فيه كل ميعاد البقاء بعده للخالق الأوحد ، ولولا تلك الرموز المهيكلة الدالة على عقلية بلجيكية أوجدت فن الارتقاء مع الأجيال المتعاقبة لوضعية الشهادة المتجددة مدحاً لمبتكراتها مهما كان المجال بداية البدايات لما يتلألأ  تطوراً حميداً وتقدماً محموداً لصالح الإنسانية جمعاء ، لولا تلك المعالم الرموز لما استيقظت ذاكرة كل مهاجر لتلك الربوع وتشبثه بترجمة ما رأي وسمع لغة تحكي روائع يتجنبها النسيان لقوة حضورها نِعَم مناظر ورِفعَة مظاهر . وما الذكرى غير   سِحرٌ لن يقدرَ على مسحه أو استنساخه أمهر السَّحَرة ، ولو استعان بأعقدِ طلاسمِ تسْخير الجن وكل تمائم المفعول اللاَّمعقول ما قَدَّمَ في مثل الشأن أو أَخَّر ، التصَقًت في تلاحمٍ لا يزيغ مهما تقدَّم الزمن بالذاكرة ، خزان لا حصر لحمولته تُحْسَبُ يوم الحساب لولوج أصحاب الحسنات الرابحة معها جنَّة الخلود أو انجرار ذوي كذوات السيئات فيها حيث القعر الجهنّمي المشتعل على الدوام بأسماء القوائم الخاسرة . قد يكون للذِّكري مقَرٌ سِري معروف بغير عنوان لذاكرة مسؤولة حالما يتمُّ إفتحاص ما مرَّ من حياة صاحبها على الأرض حينما يُغادر للآخرة ، سعيد بما أنجز لصالح نفسه أولاَ ولمن حَوْله ثانياَ ولعقيدته الأساس القاطنة فؤاده أو علي لسانه بنطق الحق ظاهرة ، ذات الأصول المقدَّسة الطيِّبة بشذى الإيمان بالغيب مُعَطَّرة ، أو شَقِيٌّ بما اقترفَ مِن معاصي ولشتى المؤامرات المتنوعة الأضرار دبَّر ، أو داخل مؤتمرات لحقائق وَهْمِيَّة زوَّر ، بتشارك وطيدٍ مع أبالسة جلسات مجون في كل ليلة حمراء للفجر مع الفجور سَهَر، حيث الراقصات بحيائهن الفارز عَرَقَ الاختناق من تصرفات مُنكرة ، يخفين دموع الألم عن ظروف حوَّلتهن لبائعات هوَى جَلباً لقوت مَن ينتظرهن في أكواخ الظُّلْمِ بين حارات أقرب للمطارِح شكلاً ومضموناً وما خفي يكون العن ممَّا ظَهَرَ في عديد بلادِ لا تحترم حقوق مواطنيها كأحقر ظاهِرة.

الذكرى لا شأن لها بغض الطرف متَى الوقت بها ابتعد أو سَدَّ حيالها باب اللحظات المُسَخٍّر النسيان ولو لتأجيل ما يعقبها مِن ندم وحسرة ، هي للماضي - الحاضر سِجِلٌ لا يشيخ ولا يقبل تنحية أي جزء من شريطِ معاوَدَةِ الأحداث بتطابقٍ تامٍ كاملٍ كما حدث لا تنقصه حبة رمل الْتَقَطَتْها فيما التقطت  العين  ساعتها أدقَّ صورة .

... أحببتُ بلجيكا المملكة الأوربية الأقرب للمهاجرين الوافدين عليها (وكنتُ مِن الرواد الأوائل أحدهم) بنبل سماحتها ونظافة مساحتها واحتضانها الغرباء مهما كان جنسهم ومستوى تكوينهم وأصول عقيدتهم لتضرب المثل القويم عن دولةٍ بالفعل وليس بالقول فقط متطوِّرة ، تجمع ومن إلحاق الفضلاء بما يناسبهم لا تشبع  عن ذكاء يرَى الإنسان كومَة أحاسيس المُعاشر إيَّاها بإحسان لعميد أسرة منتجة للخير كَوَّنَ لتضاف للبرَرَة ، قوانينها بارزة لحجمها الحضاري المحافظة على الموروث الثقافي الخاص المساهمة به في ابتكار ما إن رآه الغير أو سمع عنه أو شمَّ رائحته ألزَمَ نفسه باحترام عظمة بلجيكا شعباً ووطناً مفتخراً  بها بين الأمصار أكانَ مُقيماً بين أحضانها أو عنها يغادر جسداً ولا عضوا مسؤولا من أعضاء جسده تتقدمهم الذاكرة يكون قد غادر . ما أتيتُ إليها بحثا عن عمل إذ كنتُ أحد الموظفين في بلدي المغرب ولكن لأتعلم أن يكون الإنسان مجرَّد إنسان مجرّباً ملذات الحياة الشرعية بنظام وانتظام مواكباً الحاصلين على أُسلوب ابتكار الأجدر والأنفع والأسهل لمواجهة هدوء مفعم براحة الضمير قبل البال طاردا من أمامي كلّ حَيْرَة ، فاستقبلني  جوّها بما أحاط ويحيط به الترحاب ممهداً حيالي عناصر البقاء كما أريد لأفعلَ في نطاق القانون المحلي ما أختار ولي على تَحَمُّل مسؤولياته العزيمة والقدرة ، وكم كنتُ محظوظا حينما اصطدمت عيناي بعيني تلك الفتاة خلال نقس الأثناء المؤسسة لاستقراري في هذه الديار الموقرة ، فخلتُ مستقبِلاً ابتسامتها الحلوة أن شمس  التغيير لاجتاز مرحلة الوحدة المملَّة الضاربة في الأعماق لترسيخ قنوط لا يُرى بل يُلمَسٌ ذهنياً كزعيم  لكل ضرر ، قد لاحت تُبْقِي على الربيع الإنساني ما يعشق عشاقه من خُضْرة . (يتبع)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

البرنامج لا يُغَطِّي الاحتياج

 

البرنامج لا يُغَطِّي الاحتياج

تطوان : مصطفى منيع

طُرِدَت من الحكومة ولم تُعمِّر فيها إلا ساعات تصل الثمانية والأربعين ، على خلفية ماضيها وما شابَهُ من تجاوزات بثت في شأنها محكمة تلك الأحْيَان ، فكان الفاعل مثار كلام منطوق عبر العالم بكل لغات ما في الأخير من أوطَان ، عن أمين عام حزبٍ رشَّحَها لذاك المنصب السامي وهو لا يدري عن ملفها القضائي شيئا وكان عليه أن يستَقِيلَ بِحَصْرِ ما كانَ في ماضِي كَان ، لكن المغرب لم يصل بعض المتربِّعين فيه على مناصب سياسية لمثل القواعد المرتبطة بالديمقراطية التي صدَّعوا رؤوس المغاربة بتشبثهم بأخلاقياتها  علما أن ذاك الحزب مملوء بطاقات محترمة ذات ماضي في النضال مُشرٍّف ومستوى عِلمي رفيع يؤهلهم لمثل تحملهم ذات المسؤولية ومِن زمان ، و اختيار تلك المرأة بما تحمله من مخلفات أعمال بلغت المحاكم فقالت في مضمونها ما صَدَرَ عنها من أحكام كما يُقال عبر مختلف قنوات إعلام وطنياً ودولياً الآن ، على الأمين العام لذاك الحزب أن ينحني لما ترتَّب عن اختياره ويترك المكان لسواه إنقاذا لمكانة الحزب ومرجعيته التاريخية واعتماده الدفاع عن حقوق المجال السياسي وما ينتسب إليه من إنسان . المعلوم أن ذاك الشخص لن يتزحزح مِن مكانه لعشقه كرسي السلطة ومزاياه متجنباً الحزب الذي يقود سفينته عساه ينسلخ من تبعيات قاعدتها أن حزب الاستقلال له مع التاريخ ما خلَّفه رواد أسسوا ليظل الحزب فوق كل اعتبار دون السماح بتعكير صفوه السياسي لأي كان .

... لا يستحسن من جهة أخرى أن تكون تلك الوزيرة المطرودة مجرَّد كبش فداء تزيِّن بذبحة أداء الحكومة المثالي ، بل عليها التدقيق في ماضي آخرين الذين كونوا ثروات هائلة دون تعرضهم لأية مساءلة ، حقيقة أن رئيسة هذه الحكومة لم تكن حرة في تعيين وزرائها ومن الجنسين ، بل الأكثرية فُرِضت عليها من جهات منها الأحزاب الأربعة الفائزة في الانتخابات الأخيرة ، لكنها الأن تملك زمام الأمور وكما طالبت بإعفاء المذكورة آنفا ، قادرة بما تتحمله من مسؤولية غربلة قافلة متزاحمة حتى في قاعات مهما كانت سعتها لا تستوعب عددهم وكأن المغرب له من المجالات الناجحة ما تتطلب مثل العدد غير المقبول من الوزراء ، والثقيل على الخزينة العمومية وصاحبها الشعب المغربي حفظه الله ورعاه وسدَّد خطاه .

... بتلعثُم بَيِّن ، وتكسيرٍ للغة الضَّاد ، ومُجاهَدَة لربط الجأش ، وتصنُّع يضفي على المقام قدرة المواجهة مع تحمل المسؤولية الند للند ، إظهاراً لسطح الرغبة في قطف ثمار الإعجاب بما حققته ، أوْصَلَها لتخاطب الجَمع وتحظَى بالتقدير ، تناولت السيدة رئيسة أغرب حكومة لمغرب الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ميلادي الكلمة ، لتقرأ فحوَى برنامج ذات الحكومة قراءة متداخلة نبرات الصوت بشعور ناتج عن تبليغ شيء لن يكون مفهوماً بالقدر الكافي المُشَبَّه بجلباب مُعِدٍ خصيصاً ليلبسة المغرب طيلة خمس سنوات ، مُرقَّع بأكثر مِن خيط ، مصبوغ بأزْيَد من لون ، جعلت مِن الجلباب رغم إظْهَار المسؤولين على إبرازه أنه جديد ، يبدوا في حالة لا تَخْفِي استعماله مِن طرف الحكومات المتوالية ، حتى إذا وصل للأخيرة تبعثرت مقاييسه . لم يكن برنامجاً في مجمله مِن نتاج حكومة يُقَدِّم عُصارة تفكير الأحزاب الأربعة لانقاد المغرب من الأزمات التي يعيشها والمرشحة للمزيد من المتاعب تطال سلباً جميع المجالات ، بل جاء في أهم نقط توجهاته مِن إعْدادِ جِهَةٍ ترَى في الحكومة وسيلة تنفيذ إرادتها في السيطرة  لا غير ، تَرَى في الشعب الصابر آخر مَن يعلم وكيف يعلم ومتى يعلم ، لذا جاء البرنامج كإنشاء يصف المتفق عليه من تخطيطات العمل بعقلية غير مغربية أصلاً ، ويتضح هذا جلياً في عناوين مقتبسة من تجارب مستوردة من ضفة البحر الأبيض المتوسط  الشمالية ، بالتأكيد ستحظى الحكومة على ضوء نفس البرنامج بالثقة ، التي هندسَ من هندس حصولها مسبقاً على ذلك ، بإفراز أغلبية عملها كمهمتها ، التصفيق ومباركة ما يقدَّم اليها مهما كان مضمونه ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

مصطفى منيغ

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

الاستعجال دليل سوء الحال

 

الاستعجال دليل سوء الحال

تطوان : مصطفى منيغ

ما دامت البداية عبارة عن برنامج استعجالي ممنوح من جهة معينة ، فالأمر يؤكد أن نقطة الصفر في نفس الدائرة المعهودة انطلقت لتتدحرج على امتداد خمس سنوات قادمة ، فتعود لنفس الوضعية المألوفة ، بالإعلان عن برنامج استعجالي آخر وهكذا دواليك . برنامج استعجالي وهناك مَن يتبجَّح في جولاتهم السياحية المدفوعة الأجر ، مرددين امتياز المغرب بالاستقرار ، متناسين أن الاستقرار لا يتطلب أي برنامج استعجالي ، إلا في حالة واحدة تتعرض فيها البلاد لكوارث طبيعية ، ما عدا ذلك المفروض أن تكون البرامج المخصصة للتسيير التنموي العام ، مِن وَضْعِ حكومة خادمة مصالح الشعب منذ لحظة تنصيبها إلي آخر توقيت ولايتها ، وتسليم المسؤولية لتتحملها الآتية بعدها ،  بموافقة البرلمان المُؤَسَّس مِن طَرَفِ الشَّعب ، برامج مُبتَكَرة كأسلوب عمل مُحدَّد ، وِفْقَ معادلةِ الوارد من الدَّخل القومي ، ومقارنة صرفه على الحاجيات الضرورية ، ودوماً لتطوير الخدمات المفروض تقديمها لفائدة الشعب أولا و أخيرا ، برامج مستَمَدَّة أساساً مِن الواقع المُعاش ، والتَّخطيط المُستقبلي لتحسينه على جميع المستويات ، باعتماد الثروة الوطنية ووارداتها المضبوطة وفق صدقية مِلْكِيَةِ الشَّعب لها وليس لأي كان غيره ، بمشاركة عقول أكان أصحابها من أحزاب سياسية أو منتسبين لجامعات ذي الكليات المتخصِّصة في وضع المقاييس العلمية ، لمرافقة نجاح تلك البرامج عند تنفيذها خطوة خطوة ، وتقييم درجات النفع الحاصل من يائها ، والعمل المسؤول على مضاعفة تدخلاتها الميدانية ، الجاعلة من الدولة متقدمة تقدماً لا تشوبه شائبة ولا تأخذه مظاهر ملونة بادعاءات لا أساس لها من الصحة .

... حينما يُعْطَى برنامج استعجالي لحكومة جديدة ، لا ناقة لها ولا جمل في إعداده جُملةً وتفصيلا ، فهذا يجعل منها وسيلة تنفيذ جوفاء ، مرتبطة جوهراً بما يملؤها بالتعليمات الدائمة ، ومَظْهَراً بعجزٍ يميِّزها منذ الشروع في القيام بالواجب الذي تأسست من أجله ، ارتكازاً على قاعدة أن الشعب المغربي لا يقبل بمنَّة أحد عليه  ،  ومَن يمثلانه كمؤسستي الحكومة والبرلمان ، أن يكونا في مستوى التخطيط والموافقة ، على برامج همها الأسمَى تلبية حاجيات الشعب ، وفق إرادته الحرة المستقلة المفعمة بالتطلع للتمتع بحقوقه الإنسانية والقانونية كاملة غير منقوصة ، والحكومة العاجزة عن تقديم برنامج نابع من تفكيرها ، مطابق لما تتوفر عليه من إمكانات مالية متعددة المصادر ، و ما يواجهها من توسُّعٍ في الحاجيات تتقدمها الضروريات كالتعليم والصحة والشغل ، ملحقة بإصلاح ما يستوجب إصلاحه إتباعا لرؤية تجعل من مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

... نعلم مسبقا أن الحكومة الحالية لن تكون أفضل مما سبقتها ، لاعتمادها كما يبدو نفس التصرفات البعيدة عن المطلوب منها جماهيرياً ، إذ حان الوقت لتكون مع الشعب للشعب ، فلولاه لما تقلَّدت تلك الوضعية الجاعلة منها الطرف الأساسي وليس الثاني في الحكم ، لذا فهي حكومة الشعب ، مكونة من أبناء الشعب ، والذي يؤدي أجور وزرائها هو نفسه الشعب ، فالمقروض أن يكون الشعب المُوَجِّه لها وليس العكس ، وعليها أن تعلم أن خمس سنوات مِن عمرها قد تمر وتنتهي الى التاريخ أو مزبلته ، لكن الشعب لا ينتهي مرتبط بوجود أجياله ، لا بالانتخابات  أو التعيينات ولا بألف حاكم و حاكم ، وسيظل على حاله في شموخ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها .

مصطفى منيغ

الأحد، 18 أكتوبر 2026

النِّظَام يَضْحَك على الجُلِّ بنِظَامٍ وانْتِظَام

 

النِّظَام يَضْحَك على الجُلِّ بنِظَامٍ وانْتِظَام

القصر الكبير : مصطفى منيغ

القَصْدُ لِمَوْلاَهُ النِّظام طارِحٌ التَدَخُّل بصيغَةِ التَّحَدِّي دون الحاجة لأدنَى تفسير ، يُعطِي الدَّليل أنَّ الانتخابات لن تزيدَ بل تُنْقِص بِكَثِير ، إرادة الشعب المغربي العظيم الحكيم الصابِر ، ليس ضُعفاً فالشعوب لا تُقْهَرُ أقلُّها عَدَداً عَبْرَ التاريخ لقضاياها العادِلة تَنْتَصِر ، لكن واقعيةَ بُعْد النَّظَر تَسْرِي لتحريكِ الدَّوائِر ، بأسلوب الحصول على الغاية المرجُوَّة بمقتضيات الاستعداد لدِقَّةِ التَّدبِير ، المعهود في تفاصيله الأساسية لمناضلي ومناضلات أصحاب الوَعْي الحاضِر ، انطلاقاً مِن الغدِ لما بَعْدَه بتصرّف مُبتَكَرٍ متحضِّر ، ينأى عن تفكيك المُوَحَّد بما للحقِّ مِن سُمُوٍ قدِير ، يشقُّ الصِّعاب بتَمَكُّنِ الإيمان الصادق في أفئدة جيل لم يَعُد قي اخذِ القرار ذاك الحائِر ، بل حاسِب للظَّرف متطلبات منها تكسير العداء لكل ثائِر ، بانتقاء الحوار الهادئ الصريح لمواجهة كل جائِر ، ظَنَّ أنَّ مَقامَه مُحَصَّنٌ بروادِ الفسادِ طَمَعاً في نهبِ المَزيد خوفاً على أنفسهم مِن لحظة يخشاها كل مُغامِر ، فَضَّل الإبْقَاء على الظُلم وترك الوطنيين يفترشون الحصائر ، وانفراده بالتربُّع على وَثَرِ الأرائك المحشُوَّة مقاعدها بريش ألف طائرٍ وطائر ، المُغلَّفَة بالقَطيفَة المُستورَدَة مِن عاصمة الضَّباب بثمنٍ لا يتمَنَّى مُستبد بدفعه أن يكون من غير جيبه خاسِر .

... القصدُ عازمٌ على خدمةِ صاحبه النظام بالعلن المُطلَق أنه الأوحد في جَبْرِ أو رفض متمنيات الخواطر ، وما لزوم الانتخابات عنده سِوَى تركيب واجهة غير شفافة للدَّفع بصحة الديمقراطية المغربية عِوَض المُشاع إصابتها بذاك المرض المُزمن الخطِير ، لا يهم أن يصدِّقَ الغرب وأمريكا معاً بالمسألة ما دامت إسرائيل تُبارِك ما يجول في بعض السرائِر ، لحاجتها ليس في التَسَرُّبِ فقد حققته في أكثر من مجال وإنما لضبط سياسة القبول بما تحيكه من أطماع حقائقها بين العموم تكاد تنفجر بأسوأ تفجِير .

... في هذا السياق تأتي الحكومة الأعجوبة باثنين وثلاثين من الوزراء كأن المغرب في تَقَدُّمِهِ يَتَقَدَّمُ الدول المُتَقَدِّمَة دون اعتبار مِن أين له بمثل الصائر لأتعب مصير ، الأقل ما فيه من تكاليف على الميزانية العمومية كثِير ، فلتلك المناصب أجوراً لا يطيقها أي إصلاح بل يراكم ضغوط الضرائب وما يترتَّب عليها من استخلاص سافر ، لا يستقِرّ مع الاستقرار المنشود بل للقيام بأكثر الاحتجاجات ضراوة مُسافِر . الحكومة بعدد الحقائب المهولة (الأهم ما في بعضها العناوين لا غير)  لا تناسب دولة في طريقها الى النمو بمدنها الكُبرى تُعَدُّ مِن العالَمِ الثاني أو بأريافها وقُراها ودواويرها محسوبة على العالم الثالث كأكبر تقدير ، فأي فعل هذا يجر الغير المتتبِّع عن حِيادٍ ومسؤولية للسخرية ووصف ما يَجْرِي بالمبالغة في تَدَخُّلِ النظام لإبراز إطلاق نفوذه  لما لا يُحمَد عُقباه إن استمرَّ العملُ به كحدوث قلاقل مِن أثْقَلِ عِيار لا غير .  لم تكن السيدة المكلفة بتأسيس الحكومة إلا مُظْهِرَة الرضوخ التام  للتعليمات الصادرة عن حكام النظام الحقيقيين الموكول لهم تسيير شؤون الدولة المغربية حسب هواهم الفريد من نوعه تاريخا وجغرافية ، فلا دولة عبر القارات الخمس ، تتعامل بنفس النمط من السيطرة ، المصبوغة بالصرامة ومسك العصا من الطرفين كالوسط ، بكلمة لها فيها البداية والنهاية ، وما تَتَضَمَّنُه يتحول لمشاريع قوانين ، هيأت للمصادقة عليها مؤسسات تسبح بحمدها ، لذا جاءت مثل الحكومة مبعثرة الشكل ، فاقدة الهيكلة الطبيعية لجهاز تنفيذي في مستوى طبيعة مسؤوليته ،  جاءت تركيبتها وفق ثلاثة أشْطُر ، الأول معرَّف بوزارات السيادة يفوق قَدْرُها وزارات العبيد ، الثاني منسوب لوزارات الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات ، والشطر الثالث يضم وزارات لا ينطبق وجودها إلا على أمر أُعْطِيَ من هؤلاء الحكام الحقيقيين لتنضَمَّ لجوقة تلك الحكومة ، التي منحت الدليل الساطع والبرهان القاطع أن خارج محيط هؤلاء الحكام جل المغاربة يحيون اعتقالاً في الهواء الطلق ، لا خيار أمامهم سوى الانتظار كما دأبوا على ذلك أكثر من عقدين بلا حول ولا قوة ولا أمل في انفراج يحقق تحريرهم مما هم فيه .

مصطفى منيغ

الخميس، 15 أكتوبر 2026

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22

تطوان : مصطفى منيغ

تركتُ الأخوين في الفندق ونزلتُ لألتقي بكاتب ياسين ، عسانا ننتهي في نقس اليوم من دراسة النص المسرحي و الاتفاق عن الكيفية التي سيتمّ من حلالها اختبار إمكانات الممثلين اللذين أحضرتهما معي من المغرب حتى ارتاح لما أرغب في الانشغال بأدقّ مرحلة عليها يتوقف مسار العملية / الهدف    نحو أتم وأسعد ختام ، وجدته ينتظرني وثلاثة من رجال ، الظاهر أنهم للمراقبة والمتابعة وتقييم العمل ككل لفائدة رئاسة الجمهورية ، فقد تعوّدت ُ على التمييز بين هؤلاء وآخرين من جهاز مخابرات أو موظفين أمنيين عاديين ، لنتوجَّه بسيارة تُشَمُّ داخلها رائحة الدولة بما تتميَّز من أبَّهة وكماليات غالية التكاليف ، إلى إحدى البنايات ، الظاهر من فخامتها حتى من الخارج أنها مخصَّصة كأخريات مثلها  لإقامة كبار ضيوف الجزائر الرسمية ، وفي حجرةٍ معدة مُسبقاً  لمثل الغايات ، جلسنا متقابلين حول طاولة دائرية الشكل ، تتوسطها قنينات مختلف أنواع المشروبات بما فيها الكحولية الفاخرة ، ودون تأخير طلب مني ياسين أن اقرأ النص من بدايته حتى النهاية قراءة ايطالية المتعارف عليها من لدن أصحاب المجال المسرحي ، كنتُ أتوقَّف بين الحين والآخر لغاية سماع أي ملاحظة ، لكن سكوت الجميع يلزمني بالاستمرار إلى النهاية ، ليقف أحدهم ونتبعه منسحبين وأيضا في صمت ، تمكنتُ بعد الانفراد بنفسي داخل إقامتي في "لامدراغ" استنتاج ما يناسب المنطق ويقبله عقلي وترتاح لأبعاده مشاعري ، في تلك البناية مكان تواجدَ قيه غيرنا ممن اهتموا مباشرة بسماع النص انطلاقا من صوتي وهو يُسجَّل عن بُعد ، لملاحقة انفعالات تصاحب عند القراءة بعض التصورات الموصوفة كتابة بتلقائية طبيعية صادقة هادئة لا تعطي اهتماماً للوقت ، لترسيخها في أذن السامع  كقيمة ، أو إبراز إخفاءٍ مُصطنعٍ  بمهارة ، يكشفه اهتزاز نبرات صوت لمروره على    مواقف ، مهما بدت ثابتة فهي عابرة ، القصد منها يستوجب التوقّف على الجُمَلِ / السّبب ، لأخذ الحيطة والحذر والدراسة المتأنية ، وصولاً لنتيجة تختار لنفسها بنفسها حلاً لا غُبار عليه . بالتأكيد استنتاجي صائب حالما أرى مثل كاتب ياسين ، لم يفه ولو بنصف ملاحظة يعبّر بها أنه موجود وليس ديكور جلسة ظاهِرها شيء وباطِنها بين أيادي كبراء في مناصبهم السيادية والعلمية ، ممّا تبيَّن لي أن الضوء الأخضر لن يُعطَى للبدء في العمل إلا بعد التمحيص على أعلى مستوى ، أن المسرحية مكتوبة بفكر يكنّ للجزائر التأييد المُطلق بما ترمز إليه من حوارات ، بعضها صالح لشعارات سياسية قد تصبح معتمدة لدى الكثير من السياسيين الجزائريين قبل غيرهم .

من الصعب جداً التفريق بين الحقيقي المكتوب على الورق نصاً للتمثيل ، والحقيقي المدفون داخل ضمير مؤلِّفِ نفس النص ، الأول موجه لغاية مؤقتة تنتهي بحصول الفعل المُخَطَّط له بعناية لا يخترقها شك إنساني المصدر ، ولا تصل لتبيينها آلة مُبتكرة تخص التدقيق في مثل المهام  ، أما السبب الثاني فقاعدة ذاك التوجيه الدائم التكرار ، متى الحاجة أوجبَت الوقاية من عِللٍ لا يقبل بها العقل ، ولا يرتاح لها القلب الملتحمان بقدسية حب الوطن .

متيقن الألف في المائة أن النص المسرحي سينال رضا دارسيه ، بل سيحصل على أقصى درجات حماسهم لسبَبٍ بسيط أنني كتبتُه بعقلية جزائرية صرفة ، وكأنني جزائري الأصل والنشأة يهمه الشأن الجزائري دون سواه ، تلك العقلية المندمجة  مع طبيعة من كان مثل الهواري بومدين المتخيِّل أن كل مطلوب ، ولو عن باطل سهل الحصول عليه ، إن لم يكن بالقوة فبالإغراء المتعدّد الأشكال والألوان ، ولا أحد بمقدوره الوقوف حائلا دون وصول إرادته لما ينشد مُشيِّداً به نجاحا مدى الحياة لنظام حكمه ، وهذا ما حصل بالفعل ، حينما جاء أحد الرجال الثلاثة لمقر إقامتي يستعجلني لحضور اجتماع فوري يخص القضية بحضور وزير وشخصيات وازنة ، وجدتهم يناقشون الميزانية التي ستخصص لإنتاج المسرحية و المكان القابل لاحتواء جموع المدعوين الرسميين الجزائريين منهم والأجانب ممثلين بسفراء كل الدول المعتمدين لدى الدولة الجزائرية  ، بمعنى أوضح أن الأمر بلغ طور التحضير الفعلي ، بما يلزم من إمكانات مالية ضخمة ، وعناصر بشرية غير الممثلين طبعا ، حتى يظل الأمن بكل تخصصاته عيناً غير غافلة ولو لجزء من ثانية ابتداءً من أسبوع قبل رفع ستار الخشبة على مسرحية "المسيرة الحمراء " .  

أَخَذَت المساحة تتقَمَّص بشكل عادي لليوم الموعود ، والهدف النبيل قدام خاطري بما له وما عليه موجود ، والخطوة المُقبلة بسلاسة تتأهب بحماس عير محدود ، بلا مفاجآت ولا موانع ولا جديد غير معهود ، بالنسبة للأخوين فقد نجحا في اختبار بسيط أجرياه من داخل أستوديو في الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، التحقا بعده بفريق كاتب ياسين ، الذي خَصَّص كل وقته لإخراج المسرحية ، حتى يضيف بها مجداً لأمجاده الفنية الماضية داخل الجزائر وخارجها ، قلقاً بعض الشيء وجدته حينما عَزَا ذلك لتعامله مع نص مكتوب بالعربية التي له معها موقف يكاد يصل حدَّ القطيعة تعصباً للغته الامازيغية ، وتفضيلاً للغة فرنسية  وصل بإتقانها للعالمية ، ولولا تدخُّل صديقه وزير العمل ، وتوصية الرئيس بومدين أن يتولّى الإشراف العام على مسرحية "المسيرة الحمراء" لاعْتَذَر ، لكن الأسْمَى في حكم النّظام قرّر ولا مناص من التنفيذ بعيداً عن جزئيات مهما كانت . شخصياً اعتمدتُ النّأي ما أمكن كما تقضي الخطة التي رسمتُها منذ البداية ، مُدرْكاً أيّ جزء مهما كان بسيطاً ، يلعب ما يترك التَّنسيق بين الأجزاء الأكبر مُمكِناً ، لا فراغ يكتنفه ولا فرصة لأي ثغرة مهما كانت غير مؤثرة ، تساعد على تسَرُّبِ أي خلل غير محسوب ، يتدخَّل معكراً مرحلة من مراحل التنفيذ . حتى دعاني كاتب ياسين نفسه ، لحضور قترة تدريب  عن مشهد من مشاهد المسرحية بالخصوص الذي رأى فيه حصول تناقض يتطلّب مني التدخل كمؤلف ، لبَّيت الدعوة لأمرين ، أن أطَّلع على سير الأشغال الفنِّية / التقنية ومقارنتها بزمن الانتهاء الكلي قبل العدّ العكسي للعَرض ، وبالتالي معاينة عن كثب ارتسامات الأخوين المغربين اللذين كلَّف المُخْرِج أحدهما (بنيحيى العزاوي) بتقمّص شخصية الملك الحسن الثاني ، والآخر (بيوسف بلعيد) بتشخيص دور الجنرال أفقير . طبعا هناك شخص ثالث مغربي شيوعي حتى النُّخاع لم أجد أدنى صعوبة لإقناع كاتب ياسين  الشيوعي الماواوي ، على ضمِّه لذات المجموعة على ضوء خلفية كفاءته التي أظهرها في مسلسل " الشيطان" ، حيث لعب دوراً من الأدوار الرئيسية ، إتباعاً لصوته ذي القوة المُفعمة بسلامة النطق وفق متطلبات لغة الضاد ، طالباً عدم كشف هويته للمغاربة حتى لا يشكِّل ذاك الخطر الحاذق به من ساعة لجوئه للجزائر . كلَّفتُه وأنا ازرعه داخل المجموعة ، بمراقبة ما يحدث أولاً بأول لمناقشة ما يدعو المناقشة قصد التدخل في الوقت المناسب ، دون إشراكه أيّ معلومة تتعلَّق بسير خطتي على الإطلاق حفاظاً على سلامة النهاية .

...  لم يكن موقع التدريب بالمناسب ، ولما استفسرتُ عن السَّبب جاء الجواب في غير محله ، مضمونه أن يبقى العمل  بعيدا عن الأنظار حتى الوقوف على رجليه . المقر عبارة عن مبني كان الاستعمار الفرنسي  قد خصَّصه لمركز تشغيل تابع لوزارة العمل الجزائرية ، ولم يُفتح من تاريخ رحيل ذاك المستعمر لغاية لحظة جعله فضاء تدريبات  على المسرحية المذكورة ، لم يُنَظَّف بل محتفظا بقي بأكوام من أزبال عشَّشت داخلها فئران حارة بأكملها ، تعلَّق الأمر بالطابق السفلى أو العلوي المُعدّ على شكل حجرات تفرق فيما بينها حواجز زجاجية سميكة لتأخذ هيأة أقسامٍ لموظفي تلك المؤسسة المهجورة ، المقر كائن في شارع الكولونيل لطفي .

... المشهد عكس ما ظن كاتب ياسين يفتقد ليصبح مفهوماً حتى لمن لا يتقن اللغة الفصحى ، إلى عَلَمٍ يلوِّح به ذاك الصحراوي ممثل جبهة البوليساريو أو الدولة الصحراوية التي تسعى الجزائر إقامتها كما تمَّ شرحه في السابق ، المشكلة أن الجبهة لحد تلك الآونة لا عَلَمَ لها ، إذن الأمر يحتاج لجلسة مع هؤلاء لتوضيح الأمر ، أَدْخلتُ هذا في مخ "ياسين" ، وَغَرَضِي منه لا يحتاج لمزيد شرح ، وليعبِّر عن ارتياحه للفكرة / الاقتراح / الحل، طلَبَ منى الاستعداد صباح الغد الموالي لمرافقته قصد القيام بمهمة اللقاء مع المعنيين مباشرة وقبلهم السلطات الجزائرية المختصَّة ، فقطفتُ من اجتهادي المُضاف ذلك ثمرة الاطّلاع المباشر على معلومات لم تكن متوفرة إلا للأجهزة العسكرية المخابراتية الجزائرية على أضيق نطاق ،  تتعلق بوجود تلك الجبهة ، بأُولَى الإمكانات الموضوعة رهن أشارتها ، ومنها السلاح ونوعيته ، وأسماء أشخاص هؤلاء المرتزقة الحقيقية ، وحجم الحراسة الأمنية المُطوَّقِين بها من طرف راعيتهم الجزائر الرسمية ، ومستوى درجات الانسجام ، مع الطرح البومديني بداية ونهاية ، الجاعل هؤلاء واجهة يندسّ خلفها نظام لن يهدأَ حتى لحظة الانتصار على المغرب وفي جميع الميادين مدنية سياسية كانت أو عسكرية حربية لا فرق .

أحيانا المستحيل تخترق الأقدار مجاهله المحسوبة معرفتها على علم الغيب ، استجابة لنداء مظلومٍ كوطنه ، حتى يتمكَّنا مِمَّا ينفع الطرفين المغربي والمغرب الملتحمين في واحد  بالحق من أجل انتصار الحق ، ولولا ذلك لما حُمِلتُ صحبة كاتب ياسين بواسطة مروحية تابعة للجيش الجزائري لنحط َّ الرحال وسط مكان محصَّن عسكرياً غير بعيد عن مدينة "تِنْدُوفْ"، ليستقبلني الجنرال (...) مرحباً بمقدمي لموقعٍ من الصعب أن يتواجد فيه مدنيّ ، ومن دولة عدُوّة هي مملكة الحسن الثاني (كما سمى المغرب بالحرف) ، لتتعرَّف من جهة على الشيء اليسير من قوة الجيش الجزائري المقتدر ، وجانباً من نواة الدولة الصحراوية العازمة على توقيف الملك عند حده فيتراجع عما أظهره مؤخراً من علامات تحدي الجزائر ، التي غدت عكس ما كانت عليه خلال السنوات الأولى من الاستقلال ، ما تراه أمامك أستاذ مصطفى منيغ (مستطردا حديثة الموجَّه لشخصي بالذات) سوى نقطة في بحر متلاطم الأمواج لجيش إذا هاج أغْرَقَ من يقف أمامه في سويعات قليلة ، أتمنَّى ومع القيادة العسكرية وعلى رأسنا فخامة الرئيس الهواري بومدين ، أن تضع هذا وصفاً بليغاً في كتاباتك المستقبلية عن الجزائر ، وقد أصبح من الصعب عليك الخروج منها بما وَصلتَ َإلى هذا القدر من الثقة فيك ، وبخاصة بعدما وُضِعَ رهن متابعتنا قراءته من تآليفِك ، وكانت مسرحية "المسيرة الحمراء " أخرها ، تلك المسرحية الناطقة حقيقة بلسان نظام جزائري يسخِّرُ كلّ إمكاناته المادية والمعنوية ، لنشر الخير والنماء من حوله ، فكان على الجيران وأولهم الملك الحسن الثاني ، أن يفسح المجال لمثل التوجُّه الجزائري لا الوقوف أمامه بالمرصاد ، لذا الجزائر عازمة  كما قلتُ لكَ على مساعدة أناس هم منَّا ما داموا رهن تطبيق رؤيتنا المذكورة ، حتى يجعلوا من دولتهم الصحراوية القادمة ، حقيقة مؤكدة بتحالفها الشامل مع الدولة الجزائرية العظيمة ، طبعا كما أخبرنا فناننا وكاتبنا العبقري الأستاذ كاتب ياسين ، أنكم بحاجة لعَلَمٍ صحراوي يمكن المتتبعين ، وأحد الممثلين يلوح به عاليا داخل مشهدٍ مسرحي دقيق الوصف لذاك الحدث السعيد ، تحقيقاً لمثل الرغبة هناك حفلة استقبال على شرفكما مقامة في جناح موضوع رهن اشارة الأبطال الصحراويين قادة البوليساريو ، الذين سيبادلونكما الحديث وسيسلمونكما العَلمَ الذي انتهوا من وضع لمساته الأخيرة في الساعات الأولى من هذا الصباح المشرق . 

(الصورة : مدينة تندوف)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

الحكومة الأَغْرَب ولِلْعَجْزِ الأَقْرَب

 

الحكومة الأَغْرَب ولِلْعَجْزِ الأَقْرَب

تطوان : مصطفى منيغ

الإعلان عنها رسمِياً لن يزيدَ أو ينقصَ مِن قناعةِ غالِبِيَّة الشعب بكونها مُجَرَدَ قَميصٍ أهدَتْه إياه الانتخابات الماضية استَبدَلَ به النظام الحاكم قَميصاً لم يَعُد مناسبا لبذلةِ مَرْحَلَةٍ آنية يَخُصُّها ذاك التغيير وَكَفَى ، حكومة  أو بالأحرى نصفها بحيث الأهَمّ ما فيها وزراء "سيادة" لا سلطة لها عليهم ولو اجتمعت بهم فلتقوِيَةِ الصَّدَى ، وبذلك تكوون الأغرب عبر العالم باعتبارٍ يصل الأقَلّ مَدَى ، وإذا علِمنا أنَّ وزارةَ الداخلية هي العمود الفقري لنفس النظام علِمَ الجميع أن وزراءَ الشَّطْر المَدَنِي محسوبين على خُدَّامِ نفوذ هيمنتها ليس إلاَّ صراحة وبالعربية الفُصْحَى ، غير المحتاجة للتَّرجمةِ فهي ناطقة بلغة الواقع الجاعل مِن تلك الحكومةِ اسماً لا يليق على المُسَمَّى ، ومادام الجوهر واضح لهذا الحد فبعض الأحزاب المشاركة في تكوينها فقط بغاية مناصب للتَّباهِي جزاء وفائها لما لمبادئ مرجعياتها تَتَخَطَّى ، وهي تؤكد بدلك أنَّ ثقةَ البعض في تلك الأحزاب الرافعة كانت لعقود شعارات التقدُّمية والنضال الحق بلَغت الرؤية اتجاهها بعيدة كل البعد عن العَمَى .

... المُحاك ضد المغرب بلغَ درجات تستوجب المواجهة بما يلزم ، بعيداً عن الثرثرة بالكلام ، إذ القضايا متعدِّدَة والمصير الوطني المنبعث عنها واحد أكان نوراً أو غارقاً في الظلام ، طبعاً الحكومة (لو فرضنا أنها كذلك) لن تقدِرَ على تنظيم ما لم يكن بالمُنظَّم ، أحال الفساد الضارب جذوره بين البعض من حماة النظام ، شَغَلَهم النهب والعمل الشاق في ضمان المُستَوْلَى عليه بغير حق مند أعوام ، عن التفكير في مثل الجاعل مِن المملكة الاسبانية تجد الجرأة والإقدام ، لمحاربة دولة جارة لها متصورة أنها أضعف من خروف وهي الضرغام ، مختارة توقيتاً جل المغاربة فيه يعانون من ظلم الفقر والقهر وتسلُّط بعض الأسماء الشعب كاره أصحابها على مؤسستي التشريع والتنفيذ بواسطة انتخاب لا زال محطَّ نقاشٍ عن سلامته بين العرب والعَجَم ، أما الجزائر وإن كانت ما ترمي إليه وقد أصبح متجاوزاً إلا أنه لم يصل للعدم ، بل تطور باعتماد وسائل دبلوماسية أخرى قد تسجل شبه خيبة أمل لما دأبت عليه الرؤية الخارجية للمغرب لترسيخ السلام ، إضافة لتحول بعض دول الاتحاد الأوربي وما تجتهد من أجله في العاصمة البلجيكية بروكسيل للتشويش على ما يُطلَق عليه الاستقرار المغربي بما فيه من حكام ، حتى أمريكا منشغلة بحربها مع إيران لا وقت لها للمغرب بالكمال والتمام ، إسرائيل تتصيَّد من يساعدها على حفر نفق تتسلل منه لتضاعف نفوذها في بلد شعبها مع فلسطين أحبَّ من أحب أوكره أي مجرم ، فكيف على حكومة أكثر من نصفها لا يستحقون أي وظيفة سامية فقط لانبطاحهم المطلق حيال فطاحلة الفساد المستحوذين على أي مجال أو مقام ، بعض أشخاص جرَّب الشعب المغربي العظيم اندفاعهم لقضاء مآرب شخصية لا علاقة لها بتحمل أية مسؤولية وإعطائها ولو نصف اهتمام ، بل سجَّل عليهم بأدلة قاطعة ضعف إمكاناتهم الفكرية ولولا أمناء الأحزاب الذين مهدوا لهم الطريق لما وصلوا حيث وصلوا ليُقابَلوا كما نتصوّر بالرفض حتى من طرف النظام ، لحاجته بوجوه جديدة لها سحر الإقناع ولو بالحضور فقط دون أن يكون لها أي دور في التصميم ، فذاك أمر له عقول مُدرَّبة للعمل وراء الستائر مقابل تعويض سخي إرضاء لما خلفهم مَن باستبداده متحدِّي دائم .

 مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

حكومة ستصعد بالفشل للقمة

 

حكومة ستصعد بالفشل للقمة

تطوان : مصطفى منيغ

استنباطُ الحاصلِ مِمَّا حَصَلَ لِضَبْطِ ما سَيَحْصل ليس بالعسِير ، لمن يُقارن المعروضَ بذاك اليوم المُمْطِر ، بتقديمِ الحِسابِ المُنْتَظَر ، على رؤوسِ ذاتِ "القِلَّةِ" سَاقِطٌ بالقناطِر ، على امتداد ما حَسِبَتْهُ لها نِعْمَ حاضِر ، حينما تستنجد بمانِحِها المزيد مِن الوقتِ مُستقبلاً لتشييد ذاك الحائط المُقَوَى بالاستبدادِ القادِر ،  على الفصل بينها والغضب الزاحف يتعاظَم مع كل خطوة نحو الدَّفع بتطبيق المساطِر ، لتنقية الأجواء مِن حكومة قد تُظهِر القُشُور لإخفاء أهم الملفات تلك التي للمناضلين الحُكماء نظائِر ، تدين التقصير المقصود والارتماء بين أحضان تصرفات الحكومة السابقة التارِكة جل الشعب يُعاني خَصاصاَ ليس له نظِير ،  تَزَايِدُ نِسَبِ الفًقرِ والبطالة البالعة حَداً لا يُطاق وعشرات الويلات والمصائب المفروض أن تُحَاسَبَ عليها حِساباً يُعِيد الثقة  في نظامِ الحُكْمِ أساساً يريح البال والضَّمير ... الحكومة الآتية بِدَوْرِها مَحْكُومَة ، ولن تستطيعَ التَحَكُّم إلا بما يُطْلَبُ منها أن تَحكُمَ به ، قاعدة ثابتة لا مناص من التعامل إلا بالمُؤَكَّدِ عنها ، أنها الأصل الحقيقي لتدبير الشأن العام مهما كان المجال ، وما سواها (حكومة أو غيرها) مجرَّد أدوات تَنْفِيذٍ ليس إلاَّ. وكل هذه البَهْرَجَة وما يتخلَّلها مِن تحضيرات ومبالغ مالية ضخمة تُصْرَف للتأثير المباشر في عموم الناس ، للمشاركة في مهرجان خدمة سياسية ، تَصُبُّ في صالحِ نظام ، يُشَغّلُ بعض الدُهَاة ليحظَى بنفس النتائج ، الباقِيَة على نهجه كَحُكْمٍ مُتَحَكِّمٍ في الجميع ، بأسلوب مُلَطَّفٍ أحياناً ، لامتصاص رضا الخارج ، أما الداخل فهناك العَصَا لمن عَصَى ، وينتهي الأمر بِتَدَحْرُجِ نفس الدائرة مع المرحلة المُعاشَة بما يريد وكما يريد ، والباقي مجرد ديكور من جماد ، يُوضَع رهن إشارة المُتَسَكِّعِين بينه مِن بعض عِباد .

... وتتوالَى فصول المسرحية المُؤَلَّفَة لإعطاءِ حيوية تُبْرِز وقائع معمولَة لجعل مَن لا زالوا يثقون بِكَوِنِ ما يرونه مُشَخَّصاً أمامهم ، حقائق ديمقراطية تصبغ مشاهد سليمة ، تترجِم الإرادة الجماهيرية ، والحقيقة الحَقَّة أن القضية برمَّتها وإبْعَادِها لا تبتعد ، عن وصف تمويه مُعِدّ بنباهة وذكاء متعودان أصحابهما على اصطناع وهْمٍ من سَراب ، ليعُمَّ عقول الأبْعَد من المتتبعين كالأقْرَب ، فيُطْلَق على المسألة (متضمِّنة كل ما ذُكِر) بالمشاورات بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات ،  لتتوفر هذه الحكومة على وزراء من اختيار الشعب ولا أحد غير الشعب ، حتى وإن كان أقَلّ قليل هذا الشعب فقط من صوت عليهم حقيقة ، مشاورات تتخللها عناقات وتبادل قبلات وتقاسم خطابات ومتمنيات مع ترك مبادئ وقناعات كل حزب جانباً ، إذ المصلحة في كسبِ المناصبِ الوزارية فوق كل اعتبار ، ولا بأس أن تختلط الاشتراكية بالرأسمالية ببقايا الشيوعية اللاديمقراطية ، الكل في مثل المناسبة حزب واحد ، همُّهُ الأوحد خدمة الأقلية ولو لأجل مسمى ، لاعتبارات آتٍ توضيحها مع الزمن ، عِلْماً أن الأسماءَ تَمّ البث فيها من لدن المشرفين على مثل المهام ، المختفين عن الأنظار لأسباب لم تعد مجهولة ، وعلى المتلقين التعليمات الإفصاح  عن ذلك في وقت مناسب ، حالما تتم الاستعداد لتلقي الصدمة ، خاصة ومعظم الشعب لم يعد يطيق بعض أصحاب تلك الأسماء إن وُضِعوا في نفس قائمة حكام حكومة آخر زمان ، الناقلة الموضوع من سفح الفشل إلى قِمَّتِه .

 مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

حكومة لمرحلة ملغومة

 

حكومة لمرحلة ملغومة

سبتة : مصطفى منيغ

العالم مِن حَوْلِنا يضحك على بعض السياسيين مِنَّا ، مِن أحزابٍ مُعيَّنةٍ أو المحسوبين بيادق "قِلَّة" حاكِمَة لم تَعُد يَهُمُّها أمْرُنا ، فتصرَّفت كصاحبَةِ ضَيْعَةٍ المَفْرُوضُ أن تكونَ أرضنا ، لو كُنَّا في مستوَى وَعْي يُبْقِينا ، أحراراً في جموع حدودنا ، ونُبقِي تلك "القِلَّة" تُحاسِب نفسها قبل أن نُحاسبُها  وتعود للاندماج في دولة الحق والقانون بَعْدَ الإعلان عن توبتها لخالِقِنا ، ودون ذلك مهما عَمَّرَت المُسَاءَلَة الصارِمة ستكون مصيرها في دنيانا قبل آخرَتنا . العالم يضحك وهو العارف عمَّن يقصد مُحَدِّداً مواقفه منها وليس مِنا ، إذ نحن شعب عظيم وتيك مهما تجبَّرَت ستظلّ تحت رحمتِنا ، غداً أو الآتي بعده ستتيقَّن أنها مهما حَصَدَت ستستمر جاهلة أسلوب زرعنا ، حيث السنابل المترعرعة بنضال حرائر نسائنا ، تتحوَّل لقامات الأحرار مِن رجالنا ، غير قابلة للتصدير بواسطة مَن يستغلنا ، مُمَثّلَة دورة صمودنا ، مادامَت تلك "القِلَّة" قائمة على امتصاصِ إرادتنا ، مَرَّة بالتَّرهيب وأخرى بانتخابات لا نرى فيها خيرنا ، كالتي أفرزت وجوهاً بعضها مَكرُوهة لديْنا ، ليُكَوِّنُوا حكومة أسْوَأ ممَّا كانت عِندنا ، كَلاَمُها مُرَتَّب على أظهارِ السَّطْحِ لصالحِنا ، بينما الجَوْهَر انبطاح لغيرنا .

الاتصالات والمشاورات ما نسمع دون رؤيتنا ، مِن داخل نفس المطبخ وطبق الرؤوس المختارة مُحْضَرَة لتقديمها مُحمَّرَة في زيوت ديمقراطية لا حول لها مثلنا ، أصحابها أضحيات عِيدٍ لا يشبه العادي المألوف بيننا ، بل مستخرج مِن سياسة المالكين مِحراث الحداثةِ الماسح على التوالي أصالتنا ،  وميزانَ الخبر بغير مبتدأ مضمونه لا يشبه ميزان عدالتنا ، ووردة أوراقها شوكا وساقها عصا مشوه شكلها عموماً لا يقترب مِن الراسخ في ذاكرتنا ، بعدما ذبحوا حمامة ليكتبوا بدمها الأزرق الشعار المثير"مهما حَظِيَ مَن حَظِي بِجَنَاحَيِّ الحُكْمِ البرلمان والحكومة مصيره بين أيادي السائرين بشأننا ، الى التفكير في إشغال تطلعاتنا ، بخيارات مُقَرَّرَة على انفراد دون إشراكِنا ، فلو تنازلوا وتصرَّفوا كما شئنا ، لأضاعوا ما بنوه مِن عقدين وأكثر في غفلةٍ منَّا ، ولَمَا استطاعوا خلق مراحل على نمط هواهم مستفيدين مِن عميق نومنا ، عاملين على ضمان رفاهية مَن يخدمونها كأقليَّة متحكِّمة مطلوقة الأيدي في كل شيء رغم أنفنا .

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4

  بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4 تطوان : مصطفى منيغ سألتني مِن جديد : - كيفَ تَمَّ عبوركَ إلى أن وصلتَ بلجيكا لتستقِرَّ الآن فوق قلبها ال...