الخميس، 15 أكتوبر 2026

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22

تطوان : مصطفى منيغ

تركتُ الأخوين في الفندق ونزلتُ لألتقي بكاتب ياسين ، عسانا ننتهي في نقس اليوم من دراسة النص المسرحي و الاتفاق عن الكيفية التي سيتمّ من حلالها اختبار إمكانات الممثلين اللذين أحضرتهما معي من المغرب حتى ارتاح لما أرغب في الانشغال بأدقّ مرحلة عليها يتوقف مسار العملية / الهدف    نحو أتم وأسعد ختام ، وجدته ينتظرني وثلاثة من رجال ، الظاهر أنهم للمراقبة والمتابعة وتقييم العمل ككل لفائدة رئاسة الجمهورية ، فقد تعوّدت ُ على التمييز بين هؤلاء وآخرين من جهاز مخابرات أو موظفين أمنيين عاديين ، لنتوجَّه بسيارة تُشَمُّ داخلها رائحة الدولة بما تتميَّز من أبَّهة وكماليات غالية التكاليف ، إلى إحدى البنايات ، الظاهر من فخامتها حتى من الخارج أنها مخصَّصة كأخريات مثلها  لإقامة كبار ضيوف الجزائر الرسمية ، وفي حجرةٍ معدة مُسبقاً  لمثل الغايات ، جلسنا متقابلين حول طاولة دائرية الشكل ، تتوسطها قنينات مختلف أنواع المشروبات بما فيها الكحولية الفاخرة ، ودون تأخير طلب مني ياسين أن اقرأ النص من بدايته حتى النهاية قراءة ايطالية المتعارف عليها من لدن أصحاب المجال المسرحي ، كنتُ أتوقَّف بين الحين والآخر لغاية سماع أي ملاحظة ، لكن سكوت الجميع يلزمني بالاستمرار إلى النهاية ، ليقف أحدهم ونتبعه منسحبين وأيضا في صمت ، تمكنتُ بعد الانفراد بنفسي داخل إقامتي في "لامدراغ" استنتاج ما يناسب المنطق ويقبله عقلي وترتاح لأبعاده مشاعري ، في تلك البناية مكان تواجدَ قيه غيرنا ممن اهتموا مباشرة بسماع النص انطلاقا من صوتي وهو يُسجَّل عن بُعد ، لملاحقة انفعالات تصاحب عند القراءة بعض التصورات الموصوفة كتابة بتلقائية طبيعية صادقة هادئة لا تعطي اهتماماً للوقت ، لترسيخها في أذن السامع  كقيمة ، أو إبراز إخفاءٍ مُصطنعٍ  بمهارة ، يكشفه اهتزاز نبرات صوت لمروره على    مواقف ، مهما بدت ثابتة فهي عابرة ، القصد منها يستوجب التوقّف على الجُمَلِ / السّبب ، لأخذ الحيطة والحذر والدراسة المتأنية ، وصولاً لنتيجة تختار لنفسها بنفسها حلاً لا غُبار عليه . بالتأكيد استنتاجي صائب حالما أرى مثل كاتب ياسين ، لم يفه ولو بنصف ملاحظة يعبّر بها أنه موجود وليس ديكور جلسة ظاهِرها شيء وباطِنها بين أيادي كبراء في مناصبهم السيادية والعلمية ، ممّا تبيَّن لي أن الضوء الأخضر لن يُعطَى للبدء في العمل إلا بعد التمحيص على أعلى مستوى ، أن المسرحية مكتوبة بفكر يكنّ للجزائر التأييد المُطلق بما ترمز إليه من حوارات ، بعضها صالح لشعارات سياسية قد تصبح معتمدة لدى الكثير من السياسيين الجزائريين قبل غيرهم .

من الصعب جداً التفريق بين الحقيقي المكتوب على الورق نصاً للتمثيل ، والحقيقي المدفون داخل ضمير مؤلِّفِ نفس النص ، الأول موجه لغاية مؤقتة تنتهي بحصول الفعل المُخَطَّط له بعناية لا يخترقها شك إنساني المصدر ، ولا تصل لتبيينها آلة مُبتكرة تخص التدقيق في مثل المهام  ، أما السبب الثاني فقاعدة ذاك التوجيه الدائم التكرار ، متى الحاجة أوجبَت الوقاية من عِللٍ لا يقبل بها العقل ، ولا يرتاح لها القلب الملتحمان بقدسية حب الوطن .

متيقن الألف في المائة أن النص المسرحي سينال رضا دارسيه ، بل سيحصل على أقصى درجات حماسهم لسبَبٍ بسيط أنني كتبتُه بعقلية جزائرية صرفة ، وكأنني جزائري الأصل والنشأة يهمه الشأن الجزائري دون سواه ، تلك العقلية المندمجة  مع طبيعة من كان مثل الهواري بومدين المتخيِّل أن كل مطلوب ، ولو عن باطل سهل الحصول عليه ، إن لم يكن بالقوة فبالإغراء المتعدّد الأشكال والألوان ، ولا أحد بمقدوره الوقوف حائلا دون وصول إرادته لما ينشد مُشيِّداً به نجاحا مدى الحياة لنظام حكمه ، وهذا ما حصل بالفعل ، حينما جاء أحد الرجال الثلاثة لمقر إقامتي يستعجلني لحضور اجتماع فوري يخص القضية بحضور وزير وشخصيات وازنة ، وجدتهم يناقشون الميزانية التي ستخصص لإنتاج المسرحية و المكان القابل لاحتواء جموع المدعوين الرسميين الجزائريين منهم والأجانب ممثلين بسفراء كل الدول المعتمدين لدى الدولة الجزائرية  ، بمعنى أوضح أن الأمر بلغ طور التحضير الفعلي ، بما يلزم من إمكانات مالية ضخمة ، وعناصر بشرية غير الممثلين طبعا ، حتى يظل الأمن بكل تخصصاته عيناً غير غافلة ولو لجزء من ثانية ابتداءً من أسبوع قبل رفع ستار الخشبة على مسرحية "المسيرة الحمراء " .  

أَخَذَت المساحة تتقَمَّص بشكل عادي لليوم الموعود ، والهدف النبيل قدام خاطري بما له وما عليه موجود ، والخطوة المُقبلة بسلاسة تتأهب بحماس عير محدود ، بلا مفاجآت ولا موانع ولا جديد غير معهود ، بالنسبة للأخوين فقد نجحا في اختبار بسيط أجرياه من داخل أستوديو في الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، التحقا بعده بفريق كاتب ياسين ، الذي خَصَّص كل وقته لإخراج المسرحية ، حتى يضيف بها مجداً لأمجاده الفنية الماضية داخل الجزائر وخارجها ، قلقاً بعض الشيء وجدته حينما عَزَا ذلك لتعامله مع نص مكتوب بالعربية التي له معها موقف يكاد يصل حدَّ القطيعة تعصباً للغته الامازيغية ، وتفضيلاً للغة فرنسية  وصل بإتقانها للعالمية ، ولولا تدخُّل صديقه وزير العمل ، وتوصية الرئيس بومدين أن يتولّى الإشراف العام على مسرحية "المسيرة الحمراء" لاعْتَذَر ، لكن الأسْمَى في حكم النّظام قرّر ولا مناص من التنفيذ بعيداً عن جزئيات مهما كانت . شخصياً اعتمدتُ النّأي ما أمكن كما تقضي الخطة التي رسمتُها منذ البداية ، مُدرْكاً أيّ جزء مهما كان بسيطاً ، يلعب ما يترك التَّنسيق بين الأجزاء الأكبر مُمكِناً ، لا فراغ يكتنفه ولا فرصة لأي ثغرة مهما كانت غير مؤثرة ، تساعد على تسَرُّبِ أي خلل غير محسوب ، يتدخَّل معكراً مرحلة من مراحل التنفيذ . حتى دعاني كاتب ياسين نفسه ، لحضور قترة تدريب  عن مشهد من مشاهد المسرحية بالخصوص الذي رأى فيه حصول تناقض يتطلّب مني التدخل كمؤلف ، لبَّيت الدعوة لأمرين ، أن أطَّلع على سير الأشغال الفنِّية / التقنية ومقارنتها بزمن الانتهاء الكلي قبل العدّ العكسي للعَرض ، وبالتالي معاينة عن كثب ارتسامات الأخوين المغربين اللذين كلَّف المُخْرِج أحدهما (بنيحيى العزاوي) بتقمّص شخصية الملك الحسن الثاني ، والآخر (بيوسف بلعيد) بتشخيص دور الجنرال أفقير . طبعا هناك شخص ثالث مغربي شيوعي حتى النُّخاع لم أجد أدنى صعوبة لإقناع كاتب ياسين  الشيوعي الماواوي ، على ضمِّه لذات المجموعة على ضوء خلفية كفاءته التي أظهرها في مسلسل " الشيطان" ، حيث لعب دوراً من الأدوار الرئيسية ، إتباعاً لصوته ذي القوة المُفعمة بسلامة النطق وفق متطلبات لغة الضاد ، طالباً عدم كشف هويته للمغاربة حتى لا يشكِّل ذاك الخطر الحاذق به من ساعة لجوئه للجزائر . كلَّفتُه وأنا ازرعه داخل المجموعة ، بمراقبة ما يحدث أولاً بأول لمناقشة ما يدعو المناقشة قصد التدخل في الوقت المناسب ، دون إشراكه أيّ معلومة تتعلَّق بسير خطتي على الإطلاق حفاظاً على سلامة النهاية .

...  لم يكن موقع التدريب بالمناسب ، ولما استفسرتُ عن السَّبب جاء الجواب في غير محله ، مضمونه أن يبقى العمل  بعيدا عن الأنظار حتى الوقوف على رجليه . المقر عبارة عن مبني كان الاستعمار الفرنسي  قد خصَّصه لمركز تشغيل تابع لوزارة العمل الجزائرية ، ولم يُفتح من تاريخ رحيل ذاك المستعمر لغاية لحظة جعله فضاء تدريبات  على المسرحية المذكورة ، لم يُنَظَّف بل محتفظا بقي بأكوام من أزبال عشَّشت داخلها فئران حارة بأكملها ، تعلَّق الأمر بالطابق السفلى أو العلوي المُعدّ على شكل حجرات تفرق فيما بينها حواجز زجاجية سميكة لتأخذ هيأة أقسامٍ لموظفي تلك المؤسسة المهجورة ، المقر كائن في شارع الكولونيل لطفي .

... المشهد عكس ما ظن كاتب ياسين يفتقد ليصبح مفهوماً حتى لمن لا يتقن اللغة الفصحى ، إلى عَلَمٍ يلوِّح به ذاك الصحراوي ممثل جبهة البوليساريو أو الدولة الصحراوية التي تسعى الجزائر إقامتها كما تمَّ شرحه في السابق ، المشكلة أن الجبهة لحد تلك الآونة لا عَلَمَ لها ، إذن الأمر يحتاج لجلسة مع هؤلاء لتوضيح الأمر ، أَدْخلتُ هذا في مخ "ياسين" ، وَغَرَضِي منه لا يحتاج لمزيد شرح ، وليعبِّر عن ارتياحه للفكرة / الاقتراح / الحل، طلَبَ منى الاستعداد صباح الغد الموالي لمرافقته قصد القيام بمهمة اللقاء مع المعنيين مباشرة وقبلهم السلطات الجزائرية المختصَّة ، فقطفتُ من اجتهادي المُضاف ذلك ثمرة الاطّلاع المباشر على معلومات لم تكن متوفرة إلا للأجهزة العسكرية المخابراتية الجزائرية على أضيق نطاق ،  تتعلق بوجود تلك الجبهة ، بأُولَى الإمكانات الموضوعة رهن أشارتها ، ومنها السلاح ونوعيته ، وأسماء أشخاص هؤلاء المرتزقة الحقيقية ، وحجم الحراسة الأمنية المُطوَّقِين بها من طرف راعيتهم الجزائر الرسمية ، ومستوى درجات الانسجام ، مع الطرح البومديني بداية ونهاية ، الجاعل هؤلاء واجهة يندسّ خلفها نظام لن يهدأَ حتى لحظة الانتصار على المغرب وفي جميع الميادين مدنية سياسية كانت أو عسكرية حربية لا فرق .

أحيانا المستحيل تخترق الأقدار مجاهله المحسوبة معرفتها على علم الغيب ، استجابة لنداء مظلومٍ كوطنه ، حتى يتمكَّنا مِمَّا ينفع الطرفين المغربي والمغرب الملتحمين في واحد  بالحق من أجل انتصار الحق ، ولولا ذلك لما حُمِلتُ صحبة كاتب ياسين بواسطة مروحية تابعة للجيش الجزائري لنحط َّ الرحال وسط مكان محصَّن عسكرياً غير بعيد عن مدينة "تِنْدُوفْ"، ليستقبلني الجنرال (...) مرحباً بمقدمي لموقعٍ من الصعب أن يتواجد فيه مدنيّ ، ومن دولة عدُوّة هي مملكة الحسن الثاني (كما سمى المغرب بالحرف) ، لتتعرَّف من جهة على الشيء اليسير من قوة الجيش الجزائري المقتدر ، وجانباً من نواة الدولة الصحراوية العازمة على توقيف الملك عند حده فيتراجع عما أظهره مؤخراً من علامات تحدي الجزائر ، التي غدت عكس ما كانت عليه خلال السنوات الأولى من الاستقلال ، ما تراه أمامك أستاذ مصطفى منيغ (مستطردا حديثة الموجَّه لشخصي بالذات) سوى نقطة في بحر متلاطم الأمواج لجيش إذا هاج أغْرَقَ من يقف أمامه في سويعات قليلة ، أتمنَّى ومع القيادة العسكرية وعلى رأسنا فخامة الرئيس الهواري بومدين ، أن تضع هذا وصفاً بليغاً في كتاباتك المستقبلية عن الجزائر ، وقد أصبح من الصعب عليك الخروج منها بما وَصلتَ َإلى هذا القدر من الثقة فيك ، وبخاصة بعدما وُضِعَ رهن متابعتنا قراءته من تآليفِك ، وكانت مسرحية "المسيرة الحمراء " أخرها ، تلك المسرحية الناطقة حقيقة بلسان نظام جزائري يسخِّرُ كلّ إمكاناته المادية والمعنوية ، لنشر الخير والنماء من حوله ، فكان على الجيران وأولهم الملك الحسن الثاني ، أن يفسح المجال لمثل التوجُّه الجزائري لا الوقوف أمامه بالمرصاد ، لذا الجزائر عازمة  كما قلتُ لكَ على مساعدة أناس هم منَّا ما داموا رهن تطبيق رؤيتنا المذكورة ، حتى يجعلوا من دولتهم الصحراوية القادمة ، حقيقة مؤكدة بتحالفها الشامل مع الدولة الجزائرية العظيمة ، طبعا كما أخبرنا فناننا وكاتبنا العبقري الأستاذ كاتب ياسين ، أنكم بحاجة لعَلَمٍ صحراوي يمكن المتتبعين ، وأحد الممثلين يلوح به عاليا داخل مشهدٍ مسرحي دقيق الوصف لذاك الحدث السعيد ، تحقيقاً لمثل الرغبة هناك حفلة استقبال على شرفكما مقامة في جناح موضوع رهن اشارة الأبطال الصحراويين قادة البوليساريو ، الذين سيبادلونكما الحديث وسيسلمونكما العَلمَ الذي انتهوا من وضع لمساته الأخيرة في الساعات الأولى من هذا الصباح المشرق . 

(الصورة : مدينة تندوف)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

الحكومة الأَغْرَب ولِلْعَجْزِ الأَقْرَب

 

الحكومة الأَغْرَب ولِلْعَجْزِ الأَقْرَب

تطوان : مصطفى منيغ

الإعلان عنها رسمِياً لن يزيدَ أو ينقصَ مِن قناعةِ غالِبِيَّة الشعب بكونها مُجَرَدَ قَميصٍ أهدَتْه إياه الانتخابات الماضية استَبدَلَ به النظام الحاكم قَميصاً لم يَعُد مناسبا لبذلةِ مَرْحَلَةٍ آنية يَخُصُّها ذاك التغيير وَكَفَى ، حكومة  أو بالأحرى نصفها بحيث الأهَمّ ما فيها وزراء "سيادة" لا سلطة لها عليهم ولو اجتمعت بهم فلتقوِيَةِ الصَّدَى ، وبذلك تكوون الأغرب عبر العالم باعتبارٍ يصل الأقَلّ مَدَى ، وإذا علِمنا أنَّ وزارةَ الداخلية هي العمود الفقري لنفس النظام علِمَ الجميع أن وزراءَ الشَّطْر المَدَنِي محسوبين على خُدَّامِ نفوذ هيمنتها ليس إلاَّ صراحة وبالعربية الفُصْحَى ، غير المحتاجة للتَّرجمةِ فهي ناطقة بلغة الواقع الجاعل مِن تلك الحكومةِ اسماً لا يليق على المُسَمَّى ، ومادام الجوهر واضح لهذا الحد فبعض الأحزاب المشاركة في تكوينها فقط بغاية مناصب للتَّباهِي جزاء وفائها لما لمبادئ مرجعياتها تَتَخَطَّى ، وهي تؤكد بدلك أنَّ ثقةَ البعض في تلك الأحزاب الرافعة كانت لعقود شعارات التقدُّمية والنضال الحق بلَغت الرؤية اتجاهها بعيدة كل البعد عن العَمَى .

... المُحاك ضد المغرب بلغَ درجات تستوجب المواجهة بما يلزم ، بعيداً عن الثرثرة بالكلام ، إذ القضايا متعدِّدَة والمصير الوطني المنبعث عنها واحد أكان نوراً أو غارقاً في الظلام ، طبعاً الحكومة (لو فرضنا أنها كذلك) لن تقدِرَ على تنظيم ما لم يكن بالمُنظَّم ، أحال الفساد الضارب جذوره بين البعض من حماة النظام ، شَغَلَهم النهب والعمل الشاق في ضمان المُستَوْلَى عليه بغير حق مند أعوام ، عن التفكير في مثل الجاعل مِن المملكة الاسبانية تجد الجرأة والإقدام ، لمحاربة دولة جارة لها متصورة أنها أضعف من خروف وهي الضرغام ، مختارة توقيتاً جل المغاربة فيه يعانون من ظلم الفقر والقهر وتسلُّط بعض الأسماء الشعب كاره أصحابها على مؤسستي التشريع والتنفيذ بواسطة انتخاب لا زال محطَّ نقاشٍ عن سلامته بين العرب والعَجَم ، أما الجزائر وإن كانت ما ترمي إليه وقد أصبح متجاوزاً إلا أنه لم يصل للعدم ، بل تطور باعتماد وسائل دبلوماسية أخرى قد تسجل شبه خيبة أمل لما دأبت عليه الرؤية الخارجية للمغرب لترسيخ السلام ، إضافة لتحول بعض دول الاتحاد الأوربي وما تجتهد من أجله في العاصمة البلجيكية بروكسيل للتشويش على ما يُطلَق عليه الاستقرار المغربي بما فيه من حكام ، حتى أمريكا منشغلة بحربها مع إيران لا وقت لها للمغرب بالكمال والتمام ، إسرائيل تتصيَّد من يساعدها على حفر نفق تتسلل منه لتضاعف نفوذها في بلد شعبها مع فلسطين أحبَّ من أحب أوكره أي مجرم ، فكيف على حكومة أكثر من نصفها لا يستحقون أي وظيفة سامية فقط لانبطاحهم المطلق حيال فطاحلة الفساد المستحوذين على أي مجال أو مقام ، بعض أشخاص جرَّب الشعب المغربي العظيم اندفاعهم لقضاء مآرب شخصية لا علاقة لها بتحمل أية مسؤولية وإعطائها ولو نصف اهتمام ، بل سجَّل عليهم بأدلة قاطعة ضعف إمكاناتهم الفكرية ولولا أمناء الأحزاب الذين مهدوا لهم الطريق لما وصلوا حيث وصلوا ليُقابَلوا كما نتصوّر بالرفض حتى من طرف النظام ، لحاجته بوجوه جديدة لها سحر الإقناع ولو بالحضور فقط دون أن يكون لها أي دور في التصميم ، فذاك أمر له عقول مُدرَّبة للعمل وراء الستائر مقابل تعويض سخي إرضاء لما خلفهم مَن باستبداده متحدِّي دائم .

 مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

حكومة ستصعد بالفشل للقمة

 

حكومة ستصعد بالفشل للقمة

تطوان : مصطفى منيغ

استنباطُ الحاصلِ مِمَّا حَصَلَ لِضَبْطِ ما سَيَحْصل ليس بالعسِير ، لمن يُقارن المعروضَ بذاك اليوم المُمْطِر ، بتقديمِ الحِسابِ المُنْتَظَر ، على رؤوسِ ذاتِ "القِلَّةِ" سَاقِطٌ بالقناطِر ، على امتداد ما حَسِبَتْهُ لها نِعْمَ حاضِر ، حينما تستنجد بمانِحِها المزيد مِن الوقتِ مُستقبلاً لتشييد ذاك الحائط المُقَوَى بالاستبدادِ القادِر ،  على الفصل بينها والغضب الزاحف يتعاظَم مع كل خطوة نحو الدَّفع بتطبيق المساطِر ، لتنقية الأجواء مِن حكومة قد تُظهِر القُشُور لإخفاء أهم الملفات تلك التي للمناضلين الحُكماء نظائِر ، تدين التقصير المقصود والارتماء بين أحضان تصرفات الحكومة السابقة التارِكة جل الشعب يُعاني خَصاصاَ ليس له نظِير ،  تَزَايِدُ نِسَبِ الفًقرِ والبطالة البالعة حَداً لا يُطاق وعشرات الويلات والمصائب المفروض أن تُحَاسَبَ عليها حِساباً يُعِيد الثقة  في نظامِ الحُكْمِ أساساً يريح البال والضَّمير ... الحكومة الآتية بِدَوْرِها مَحْكُومَة ، ولن تستطيعَ التَحَكُّم إلا بما يُطْلَبُ منها أن تَحكُمَ به ، قاعدة ثابتة لا مناص من التعامل إلا بالمُؤَكَّدِ عنها ، أنها الأصل الحقيقي لتدبير الشأن العام مهما كان المجال ، وما سواها (حكومة أو غيرها) مجرَّد أدوات تَنْفِيذٍ ليس إلاَّ. وكل هذه البَهْرَجَة وما يتخلَّلها مِن تحضيرات ومبالغ مالية ضخمة تُصْرَف للتأثير المباشر في عموم الناس ، للمشاركة في مهرجان خدمة سياسية ، تَصُبُّ في صالحِ نظام ، يُشَغّلُ بعض الدُهَاة ليحظَى بنفس النتائج ، الباقِيَة على نهجه كَحُكْمٍ مُتَحَكِّمٍ في الجميع ، بأسلوب مُلَطَّفٍ أحياناً ، لامتصاص رضا الخارج ، أما الداخل فهناك العَصَا لمن عَصَى ، وينتهي الأمر بِتَدَحْرُجِ نفس الدائرة مع المرحلة المُعاشَة بما يريد وكما يريد ، والباقي مجرد ديكور من جماد ، يُوضَع رهن إشارة المُتَسَكِّعِين بينه مِن بعض عِباد .

... وتتوالَى فصول المسرحية المُؤَلَّفَة لإعطاءِ حيوية تُبْرِز وقائع معمولَة لجعل مَن لا زالوا يثقون بِكَوِنِ ما يرونه مُشَخَّصاً أمامهم ، حقائق ديمقراطية تصبغ مشاهد سليمة ، تترجِم الإرادة الجماهيرية ، والحقيقة الحَقَّة أن القضية برمَّتها وإبْعَادِها لا تبتعد ، عن وصف تمويه مُعِدّ بنباهة وذكاء متعودان أصحابهما على اصطناع وهْمٍ من سَراب ، ليعُمَّ عقول الأبْعَد من المتتبعين كالأقْرَب ، فيُطْلَق على المسألة (متضمِّنة كل ما ذُكِر) بالمشاورات بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات ،  لتتوفر هذه الحكومة على وزراء من اختيار الشعب ولا أحد غير الشعب ، حتى وإن كان أقَلّ قليل هذا الشعب فقط من صوت عليهم حقيقة ، مشاورات تتخللها عناقات وتبادل قبلات وتقاسم خطابات ومتمنيات مع ترك مبادئ وقناعات كل حزب جانباً ، إذ المصلحة في كسبِ المناصبِ الوزارية فوق كل اعتبار ، ولا بأس أن تختلط الاشتراكية بالرأسمالية ببقايا الشيوعية اللاديمقراطية ، الكل في مثل المناسبة حزب واحد ، همُّهُ الأوحد خدمة الأقلية ولو لأجل مسمى ، لاعتبارات آتٍ توضيحها مع الزمن ، عِلْماً أن الأسماءَ تَمّ البث فيها من لدن المشرفين على مثل المهام ، المختفين عن الأنظار لأسباب لم تعد مجهولة ، وعلى المتلقين التعليمات الإفصاح  عن ذلك في وقت مناسب ، حالما تتم الاستعداد لتلقي الصدمة ، خاصة ومعظم الشعب لم يعد يطيق بعض أصحاب تلك الأسماء إن وُضِعوا في نفس قائمة حكام حكومة آخر زمان ، الناقلة الموضوع من سفح الفشل إلى قِمَّتِه .

 مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

حكومة لمرحلة ملغومة

 

حكومة لمرحلة ملغومة

سبتة : مصطفى منيغ

العالم مِن حَوْلِنا يضحك على بعض السياسيين مِنَّا ، مِن أحزابٍ مُعيَّنةٍ أو المحسوبين بيادق "قِلَّة" حاكِمَة لم تَعُد يَهُمُّها أمْرُنا ، فتصرَّفت كصاحبَةِ ضَيْعَةٍ المَفْرُوضُ أن تكونَ أرضنا ، لو كُنَّا في مستوَى وَعْي يُبْقِينا ، أحراراً في جموع حدودنا ، ونُبقِي تلك "القِلَّة" تُحاسِب نفسها قبل أن نُحاسبُها  وتعود للاندماج في دولة الحق والقانون بَعْدَ الإعلان عن توبتها لخالِقِنا ، ودون ذلك مهما عَمَّرَت المُسَاءَلَة الصارِمة ستكون مصيرها في دنيانا قبل آخرَتنا . العالم يضحك وهو العارف عمَّن يقصد مُحَدِّداً مواقفه منها وليس مِنا ، إذ نحن شعب عظيم وتيك مهما تجبَّرَت ستظلّ تحت رحمتِنا ، غداً أو الآتي بعده ستتيقَّن أنها مهما حَصَدَت ستستمر جاهلة أسلوب زرعنا ، حيث السنابل المترعرعة بنضال حرائر نسائنا ، تتحوَّل لقامات الأحرار مِن رجالنا ، غير قابلة للتصدير بواسطة مَن يستغلنا ، مُمَثّلَة دورة صمودنا ، مادامَت تلك "القِلَّة" قائمة على امتصاصِ إرادتنا ، مَرَّة بالتَّرهيب وأخرى بانتخابات لا نرى فيها خيرنا ، كالتي أفرزت وجوهاً بعضها مَكرُوهة لديْنا ، ليُكَوِّنُوا حكومة أسْوَأ ممَّا كانت عِندنا ، كَلاَمُها مُرَتَّب على أظهارِ السَّطْحِ لصالحِنا ، بينما الجَوْهَر انبطاح لغيرنا .

الاتصالات والمشاورات ما نسمع دون رؤيتنا ، مِن داخل نفس المطبخ وطبق الرؤوس المختارة مُحْضَرَة لتقديمها مُحمَّرَة في زيوت ديمقراطية لا حول لها مثلنا ، أصحابها أضحيات عِيدٍ لا يشبه العادي المألوف بيننا ، بل مستخرج مِن سياسة المالكين مِحراث الحداثةِ الماسح على التوالي أصالتنا ،  وميزانَ الخبر بغير مبتدأ مضمونه لا يشبه ميزان عدالتنا ، ووردة أوراقها شوكا وساقها عصا مشوه شكلها عموماً لا يقترب مِن الراسخ في ذاكرتنا ، بعدما ذبحوا حمامة ليكتبوا بدمها الأزرق الشعار المثير"مهما حَظِيَ مَن حَظِي بِجَنَاحَيِّ الحُكْمِ البرلمان والحكومة مصيره بين أيادي السائرين بشأننا ، الى التفكير في إشغال تطلعاتنا ، بخيارات مُقَرَّرَة على انفراد دون إشراكِنا ، فلو تنازلوا وتصرَّفوا كما شئنا ، لأضاعوا ما بنوه مِن عقدين وأكثر في غفلةٍ منَّا ، ولَمَا استطاعوا خلق مراحل على نمط هواهم مستفيدين مِن عميق نومنا ، عاملين على ضمان رفاهية مَن يخدمونها كأقليَّة متحكِّمة مطلوقة الأيدي في كل شيء رغم أنفنا .

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

السبت، 10 أكتوبر 2026

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 21

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 21

تطوان : مصطفى منيغ

لي مع العزيزة "وجدة" ألف حكاية عن ألف موقف، مهما عن إحْدَاهَا أو أحَدِهَا أقف ، أتمنَّى أن أعيدها كلَّها ولمتعتي الشخصية أُزِفّ ، دون لأي منها أَحذِف ، على استرجاع بعضها الدمع في مقلتاي لا يجفّ ، ومِن ضمنها البِعاد منها مهما كان الاتجاه لمشاغل أخرى  عنها لا يحذِف . جمْعُها لا يستحمله حجم تَكثيف ، وتركها بالمرة يولّد التيه المخيف ، بين دروب حياة لها في تلك البقعة الطيبة أكثر من رسْمٍ وليف ، داخله مَن كان نِعم أليف ، أو على مرحلة ما شابه الحَمَلَ  الرائع الحُسْنِ خفيف ، أو قمراً في نهارٍ لا ضوء فيه لزائِف ، أمام محنَّك لكل تقليد مُصطنع عارف .

 "وجدة" مدرسة الدَّهْر ، الحامية للمغرب في شرقه الظَّهْر، الرَّاسية على تِلالٍ صحبة صالحين كرائمهم بقطرات ماء أضخم نَهْر ، يجودون بها مَن قَصَدَ المَقام ليحميه مِن  الوَهَر، واتَّقَّى بنبلِ شرفائه مِن القَهْر.  وصلتُها مُثقلاً بعواطف الشوق وحنين لا يُقارَنُ تأثيره السعيد لشريكة وجودي المنتظرة إياي في "عين بني مَطْهَر" ، تترقَّب عودتي بالدقائق منذ مغادرتي لمصيرٍ مَجهولٍ آخر مطافه لقاء لا فراق بعده أو فراق لا لقاء يليه كضوء بعد إبْهار، فتاة كانت بين شريفات قبيلة ، الإخلاص كرويات مضافة للبيضاء والحمراء في دمائهن ، لا يعرفن غير الارتباط الأول بما اعتبرناه مصير بقائهن في الدنيا لغاية لقاء وجه رب كريم ، لا يتصورن التخلّي عمَّن وهبن له أغلى ما يملكن على سنة الله ورسوله ، فتمتعن بالتوقير وضرب أسمى الأمثلة لوفاء لا زيغ يتخلله ولا نفاق يلتف حتى بالقرب منه ، مهما كانت الحيل شيطانية حول نقاوة قيمه النبيلة ، وأعرافه الأصيلة البسيطة في متانة لا صَعْبَ يغلبها ، ولا إغراء (مهما كان) يبعدها عن الأصل الأصيل لجوهرها . "حليمة" كان هذا اسمها ومتحمّلة ما شدها الصبر للانتصار على الشدائد مهما دأبت في اتجاهها تفتتت قبل مس طرف من هندامها الدائم النظافة .

... مع خيوط الفجر الأولى أخذتُ دراجة هوائية واتَّجهتُ صوب طريق "المْرِيجَة ْ" حيث المركز المُمَيَّز لقبيلة "أولاد سيدي اعْلِي بُوشْنَافَة" التي تربطني وبعض كبرائها مودة وصداقة إلى يومنا هذا ، في مكان غير بعيد أفرغ لي أحد أصهاري خيمة لأعتكف داخلها مؤلِّفاً  و مفكراً ، دون مشارك يقطع عني ذاك الهدوء المساعد خيالي على ابتكار تصوير مشاهد المسرحية التي أتحمَّل مسؤولية كتابتها بما يناسب المقاييس المُتَّفَق عليها مع المنتظرين عودتي للجزائر العاصمة باهتمام بالغ ، لكن قبل البداية فتحتُ الغلاف (الذي طلبت مني الإنسانة التي رافقتني لغاية وهران ورجل الأمن "عبد القادر" الذي ما صدَّقته وهو يقدمها لي كإحدى أفراد عائلته) لأطَّلع عما بداخله في القطار ولم أفعل ، حتى لا أُعطي الفرصة لمن عساه يراقبني في نفس المقصورة فيفسِّر العامل لصالح ما يفسره بلغة المخابرات ، مسجّلاً ما يؤكد أن الأمر يستوجب توضيح ما بداخله من "إنَّ" وما يترتب عن ذلك من تَعقُّبِ خيوطٍ قد تمتَّد لما لا يُحمَدُ عقباه بالنسبة لي ، ما دامت كل حركة في غير محلها صادرة مني  تُحسبُ عليَّ ، تَتجمَّعُ مع أخريات ليقع ما لم يكن في الحُسبان ، وأنا في وسط المعمعة أجاهدُ للوثبة ما قبل الأخيرة ، لإنتاج العملية الهدف وأرتاح بعدها كلّية . فتحتُ الغلاف لأسحب الصورة وأتيقن أن صاحبتها ليست بالغريبة عني ، وإن كنت حقيقة لا أتذكر أين وكيف التقيت بها ، انتقلت إلى الرسالة لأقرأ : عزيزي مصطفى منيغ ، تحولتُ إلى عمِيلَةٍ في المخابرات الجزائرية تحت إمرة مَن ادَّعَى لك أنه عبد القادر والحقيقة أن اسمه (...) ، كُلِّفتُ بالسفر على متن نفس القطار بالهيأة التي رأيتني بها في السيارة محجبة ،  لأراقبكَ في "وجدة" كظلّك ، أنت في حاجة للتركيز في الصورة حتى تتذكر تلك الفتاة التي شاركَت في إحدى حلقات برنامج "ألحان وشباب" ، الذي يعدّه الأستاذ الفنان الفاقد البصر، "مُعْطِي بَشِير" وكنتَ أنت مِن بين الحُكام (في تلك الحلقة المذاعة تلفزيونياً مباشرة على الهواء) المسؤولين عن اختيار الأصوات الواعدة المستحقة الفوز بالدرجات الثلاثة في المسابقة الغنائية تلك ، بصفتك (كما قدَّمتك المذيعة ليلى) الملحن والفنان المغربي الذي له إسهامات غنائية بالإذاعة  الجزائرية وخاصة القطعة الملحنة والمغناة من طرفك وأيضا كاتب كلماتها ، اسمها "الجزائر بلادي الغالية" وكانت مِن أنجح الأغاني الوطنية ساعتها ، حاولتُ الاتصال بك أزيَدَ من مَرَّة لكن بلا فائدة ، ولما التحقتُ بالجهاز مؤخراً سمعتُ الحديث يدور عنك فأخبرتُ أحد رؤسائي أنني أعرفك لأخبره بنفس القصة ، ومِن وقتها حمَّلوني مسؤولية تقصي أخبارك أولا بأول ، إلى أن عثرتُ على سيدة اسمها جليلة عابد التي مدتني بتفاصيل ساعدتني على دراسة شخصيتك ، ومحاولة تطويع ما عَلِمْتُهُ عنك ، في التقرُّبِ منكَ أكثر وأكثر، حتى اقنعَ الجهاز بسبب تشبثك بالبقاء داخل الجزائر ، وأنت بما تتوفَّر عليه من إمكانات ثقافية وقدرات فكرية ، ما يجعل منك أستاذاً ناجحاً في ذات المجال بالمغرب مع أهلكَ وبين أصدقائكَ . في "وجدة" سأستقرّ بالعنوان التالي:(...) المرجو الاتصال بي لأوضّح لك المزيد، وأطلعك عن سرّ إفشاء مَن أكون وطبيعة مهمتي لكَ، وأنت تعلم عقاب مَن يفعل ذلك من تلقاء نفسه حينما يُتَّهم بالخيانة ليلتفَّ حول رقبته حبل المشنقة ، هناك أسباب جعلتني أثق بك مثل الثقة العمياء ، مقابل ذلك لي طلب بسيط أريدكَ أن لا تبخل به عليَّ ، في مقدورك انجازه لصالحي ، حالما تزورني في العنوان الذي كتبته لك سأخاطبك في شأنه جملة وتفصيلا ً ، بالإضافة لمعلومات قيمة تخصك ستساعدك إن فكرتَ الرجوع للجزائر. لا تنسى إحراق الرسالة والغلاف والصورة ، إلى اللقاء أستاذي العزيز.

 

الاستقرار على هدف مُعَيَّن ، لغاية مضبوطة بتخطيط علمي منطقي مقبول  ، يقضي عدم الاكتراث بما يؤخر المسير  إلى تحقيقه ، في المكان المختار مهما كان ، والزمان المُحدَّد على موقع الأخير (المعروف آنذاك) بالثانية . الرسالة التي قرأتها مُدَبَّرة بتقنيةٍ بدائية مُرتَّبة أسلوباً وموضوعاً ، على معلوماتٍ الغرض منها إزاحتي عن الخط الذي رسمْتُه بعناية ، وتبديله بآخر يؤدِّي لأرضية المخابرات الجزائرية ، بواسطة مصيدة حبكتها عقلية غير مطَّلعة بالحجم الكافي على آليات تخصّ مثل الحالات ، ممَّا يؤكد أن موقفي داخل الجزائر سليم من كل ما قرَّرتُه وتحرَّكتُ في إطاره حتى تلك الآونة ، فكان لزاماً الرد بتجاهل الرسالة والفتاة التي مدتني بها تجاهلاً تاماً  ، ممَّا يمحي أي أثر يدل أنني انسقتُ وراء الحيلة الصبيانية التي أراد بها ذاك الجهاز جري لملعبه بكيفية لا ترقى أبداً لمستواه الأمني داخل دولة تعتقد أنها الأقوى في الميدان على امتداد المغرب العربي الكبير .

... أنهيتُ في ثلاثة أيام كتابة النص المسرحي في فصلين يتخلَّلهما عشرون مشهدا ، لِعَرْضٍ يستغرق الساعتين ، إحداها لاسترجاع الماضي وصولا للحاضر قبل انطلاق المسيرة الخضراء ، و الساعة الثانية مُستغرِقَة في مظاهر الإخفاق المغربي ، وما ترتَّب عليه من انتصار للرؤية البُومدِينية ، الذاهبة بحفنة من مرتزقة تمَّ استغلال ما أسّسوه في مدينة كُولْمِيمْ المغربية ، برئاسة مصطفى الوالي ، للإعلان عن إقامة دولة تشارك الجزائر في تغيير جغرافية أراض يخسرها المغرب  ، وتربح بها الجزائر أداة تَنَفُّسٍ تزيد من حجم رئتيها ، وجسدها الرسمي ممدَّد على شاطئ الضفة الشرقية مِن المحيط الأطلسي . لأمُرّ إلى مرحلة البحث عن ممثلَيِنِ مغربيين اصطحبهما معي خلال عودتي للجزائر ، عثرتُ على الأول بيسر نظراً لعلاقة الصداقة الرابطة بيننا من سنين على المحبة الأخوية المُتبادلة ، والمشاركة الفعلية في مجال عشق الفنون المسرحية ، والبحث العلمي في عالمه الفضفاض القابل لما يضيف لمتطلباته الجاعل منه يستحق لقب أب الفنون جميعها ، تعلَّق الآمر بالتأليف وفق رؤى إبداعية غير مسبوقة ، أو إخراج ينأى عن المألوف من حيث الحركة وانبعاث الحوار من صدور المشخِّصين أصواتاً منسجمة مع الجو ، المساهمة في إقامته ديكورات تُلهم المتتبّع بفهم وقائع تستعرض ما وقع في حيز رغم ضيقه يتحوَّل لسعة تُنبِئ بالوارد وقوعه خيراً كان أو شراً ، حسب الفكرة / العمود الفقري ، القائمة عليها المسرحية عامة . أجل عثرت على الأول ولم يكن سوى مَن لقَّبتُه ذات يوم بعميد المسرح "الوجدي" ،رئيس فرقة المسرح البلدي ، ومخرج ما قدمت منذ أعوام ، وجدته في مقره فوق سطح السوق المغطى ، منهمك في التفكير كعادته كلما ضاقت به سبل الحياة وعكَّرت مجازه تلك الإمكانات التي غيَّبها النحس لِما حسِبه دهراً لزم حاله ، وأقسم أن لا يرحل أبدا ، ما أن رآني حتى تغيَّرت ملامح محياه وكأنّ الدم عاود الجريان في شرايينه من جديد ، بفرط السعادة التي أرغمته على ترك ما كان عليه من ضيق وعبوس ، ذهبنا معا إلى المقهى المقابلة كانت للمحكمة الابتدائية القريبة من الإذاعة الجهوية ، نفس المقهى التي أطلقتُ عليها بحضوره فبل الغياب لبضع سنين اسم "مقهى البؤساء" على حال معظم روادها من تلك الطبقة المحرومة من كل شيء إلاّ التوجُّه لعين المكان للاسترخاء المجاني ، انتظاراً لفرجٍ طال ترفّعه عن الحضور  أكثر ما كانوا يأملون عكس ذلك ، أو يمنُّون أنفسهم بأمل هم متيقنون أنه غاضب عليهم لأسباب يعرفونها ويتجاوزون (عن قصد) حتى التفكير في التخلص منها . هناك فاتحت الأخ الصديق (بنيحيى العزاوي) بحديث أقحَمَهُ لإصغاءٍ شديد الاهتمام:

- سأمنحك َفرصة العمر ، بل سأمهِّد لك طريقاً ما كنتَ َ تحلم للمشي فوقها لحظة في حياتك ، طريقا توصلكَ لباب التاريخ المفتوح لك سيكون ، لتلِجه مُحققِّاً ما تمنيتَ أن تحقِّق ولو جزءا بسيطاً منه ، طريقاً من الصعب أن يُعبَّد مرة أخرى خصيصا على قياس خطواتكَ التي لن تمشيها بل تطير معها ، في قضاء واقع ستعيشه بما يوفّر لك من نجاح وشهرة ونصيب من المال .

 وقف بغثة وقال لي بغير شعور:

- هيا بنا ماذا ننتظر ، لنأخذ ذاك الطريف منذ اللحظة .

أخبرته أن الألف ميل الواجب قطعها قبل الوصول إليه يبتدئ من الجزائر العاصمة وليس من مقهى البؤساء  هذه.

 - الجزائر (ناطقا بها في امتعاض ليستطرد) وفي هذا الوقت بالذات ؟؟؟، طبعا أنت على علم بالتوتر الحاصل بيننا وتلك الدولة بسبب المسيرة الخضراء الذي أراد بها عاهلنا الحسن الثاني تحريرها من احتلال الأسبان ، فكيف وصل لذهنك هذا الاختيار الصعب ، اللهم إن كان في الأمر سر؟؟؟ .

 قاطعته بلهجةٍ تعبّر عن جدية في الموضوع ، وحزم معقود على التنفيذ،  وإرادة يجب طاعتهُا بالكامل . ابتسم ليوهمني أنه فهم ، والحقيقة أنه لم يفهم حتى تلك اللحظة أي شيء ، مما وجدتها فرصة لأسأله :

- هل تثق بي ؟ .

 أجابني بغير تردد .

- ما المطلوب مني ؟

- أن تجمع حقيبتكَ وتتبعني .

 طرق برأسه دقيقة ثم نطق :

- سأتبعك حيث تريد  ما عليك إلا إقناع والدي وزوجتي .

... في البيت لم أجد أدنى صعوبة مع تلك الشريفة زوجته الموظفة ممرضة بمستشفى حكومي  بعد إزاحة مخاوف انتابتها  والجزائر في تلك الأوقات  علاقاتها مع المغرب ليست على ما يرام ، أخيرا وافقت أن يرحل زوجها معي لثقتها الكبيرة في شخصي المعروف عني من سنوات كم أحترم هذه العائلة المعتزة بشرفها المكافحة من أجل ضمان عيش كريم لأولادها ، السيد الوالد لم يعارض بدوره ، حينما عاهدته أن أعيد له ولده سليما متمتعا بما يحقق له ذاك المستقبل وهو صاحب عمل رسمي يلزمه الاستقرار وسط عائلته المحترمة . الشخص الثاني  (يوسف بلعيد) متزوج بسيدة تعمل في ميدان الخياطة  المنضم إلينا ، غير بعيد عن الجو الذي تعودنا نحن الثلاثة في مرحلة معيّنة داخل مدينة "وجدة" ، خوض غماره ، الفن المسرحي تأليفاً و إخراجاً وتشخيصا ، تَخَلَّى عن منصبه المؤقت كمحافظ بالإذاعة الجهوية ، ذاك الذي مَنَّ به عليه ، مدير تلك المؤسسة الإعلامية الأستاذ عمر بن الأشهب ، الذي جمعتني وإياه الأقدار لنتعاون معاً في نفس الإطار لكن بصورة أخرى مستقبلاً ، سأتطرق لتفاصيلها إنشاء الله ، لأهمية أحداثها والمعلومات التي طُمِسَت في شأنها بفعل فاعل ، لكنه التاريخ متى كان صادقا لا يرحم ببلاغة ما يحكيه كتابة موثّقة بالحق  عن حق مشروع ، إلا من يستحق رحمة الانصاف ، وإن حدث هذا متأخراً لا يهم ، المُهمّ والأَهَمّ وأَهَمّ الأهَم أن تكون على حق وتعرف كيف ومتى تأخذه .

(الصورة : مدينة وجدة)         

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 20

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 20

تطوان : مصطفى منيغ

مع الأديب العالمي كاتب ياسين دام لقائي أكثر من ست ساعات متواصلة ، من النقاش المُتباين بين الهادئ والحاد عن حدود بين الواقع والخيال فاصلة ، المتوتر والآخذ سمة القطيعة للحدوث بلا هوادة آيِلَة ، والمستمر رغم ذلك للحاجة المُلحَّة  إلى اتفاق لا مفرّ منه إرضاء لسلطات عُليا في دولة الرئيس الهواري بومدين التي في الشأن ذاته (بين الحين والآخر) متدخّلة . أحياناً الطَّبع يقف حائلاً بين التقدُّم المنشود والدوران بلا فائدة في نفس المكان حتى يضيع الوقت في عنادٍ لا طائل منه إلا بتكرار ما ابتدأ الحوار في كنهه من الصفر المنفرد الخالي الحيلة  . لا أنكر مستوى المطروحة كأفكار لها ما لها من قيمة لكن اختيار الأجْوْد يتنافى أحياناً مع الأنْسَب في مثل المواجهة بالمناوشات حَابِلَة ، كاتب ياسين جزائريّ يفكرُ بعقلية الفرنسي المشبع بالاتجاه المَاوَاوِي خلاف مواقف أكثرية من شيوعيته جَافِلَة ، والعبد لله مغربيّ خَطَّطَ مُسبقاً ليبقَى حتى في المطلوب الخروج منه من ذاك "اللقاء / العمل/ الاتفاق" مغربياً ذي النظرة للأمور عادية طبيعية أصيلة ، غير متسامح ولا مُتخلّي عن أدنى ما يبعد التنفيذ عن نتيجة مُصوَّرَة في ذهني مغربية السمات نافعة لمملكة  عاصمتها الرباط ولا شيء آخر على الإطلاق مهما العواقب والصعاب في طريقي بتهديداتها حاصلة . ربحتُ الجولة ولو بصعوبة لمعرفة صديقي ياسين أنني مفروض عليه بقوة حاجته لنصّ مسرحي مكتوب بلغةٍ تقنيّةٍ تجمع بين رشّ المتفرجين بالمعلومات من الصعب تطويع مضامينها إلا من طرف مغربيِّ يتقن مثل الكتابة التصويرية وطاقات التشخيص فوق خشبة مساحتها ضيقة لا تسمح بإظهار كل الخلفيات المصاحبة الحوار إلا من خلال التعبير الصوتي المكتوب لمجسِّدين مسؤولين على براعة التبليغ ، مغربيّ  عايش أحداثها ، ومن الممكن أن يحوِّرها حسب الرغبة المطلوبة انسجاماً مع إرادة تتعارض معها رأساً على عقب ، سبيل خروج المتفرِّج مقتنعاً أن الجزائر على حق والمغرب على باطل ،  كنهاية مقصودة لإرضاء الجانب الجزائري الرسمي ، ممَّا يوفِّر لي شخصياً تحقيق انجاز تلك المسرحية  (التي سمَّها الهواري بومدين شخصياً ، "المسيرة الحمراء" ، وفق مقاييس موضوعة من طرفه أيضا) ،  مع وجود فرصة  استغلُّها لتلقين الأخير درساً لن ينساه ما عاش .

رتَّبتُ الأمور مع كاتب ياسين وفق المعايير الأساسية ، والشروط الموضوعية التالية : - أولاً أن يقتصر النص العام للمسرحية على حوارات شخصيات ثلاث محورية رابعهم مضاف لتوضيح مستقبل الجهد الجزائري الرسمي  المبذول ، الموجَّه علانية لبديل يمثّل بروز نواة شعب يتم جمعه لتلبية مقومات تأسيس دولة . الشخصيات الثلاث تجسد الملك الحسن الثاني ، والجنرال أفقير والطيف الشبح ، أما الرابع المضاف فممثل الجبهة الصحراوية المؤسَّسة مؤخراً (البوليساريو) ، المنضوية تحت الّلواء الجزائري . - ثانيا أن يؤدي الأدوار الثلاث  مغاربة ذوي المستوى العالي من التشخيص المسرحي الرفيع الأداء ، المتوفرين على طول تجربة في الميدان وكفاءة مشهود لهم بها من طرف مختصين رواد أبي الفنون المسرح ، سأعمل شخصياً على إحضارهم من المغرب ، ليتيقَّن المتفرّج الجزائري بعد العالمي ، أن العمل مركَّب بكل تفاصيله من طرف المعارضين الرافضين لمثل المسيرة الخضراء جملة وتفصيلا ً. -  ثالثاً أن يقتصر عملي على المسألتين المذكورتين في تأليف النص وتحمل مسؤولية إحضار الممثلين المذكورين من المغرب ، على أن يتكفل الأستاذ والفنان المسرحي العالمي الكبير كاتب ياسين بالإشراف العام كإدارة  ، والإخراج الفني الفعلي للعمل ككل .

... عانقني بحرارة وتمنى لي التوفيق ، ووعدني بالتعامل معه  انطلاقاً من العاصمة الفرتسية باريس ، حيث يقيم أغلب الأوقات، إن رغبتُ في توسيع طموحاتي  الفكرية والفنية صوب العالمية  ، ملتمساً مني إنهاء الكتابة في ظرف لا يتعدى خمسة عشر يوما ، للبدء في عملٍ يذكره التاريخ الإنساني كأهّم لقاء فنّي تمّ بإبداع مغربي جزائري مشترك ، من ورائه كاتب ياسين ومصطفى منيغ .

... في الباب وأنا أغادر المؤسسة أعطاني الحارس ورقة قال أن شخصاً طلب منه أن يسلمها لي يدا بيد مكتوب فيها : متى انتهيتَ توجَّه لشارع "طنجة" لتجدني في نفس المكان أنتظرك . قذفتُ بالورقة أرضاً دون تمزيق عن قصد حتى يتولىّ أمرها مَن يتعقَّب خطواتي أولاً بأول ، بالتأكيد لن يعثر ومن معه ، فوقها غير بصماتي وبصمات الحارس ، أما الذي أحضرها فقد عمد لتبقى خالية تماماً من بصماته ليظَلَ مجهولاً بالكامل ، الموعد لن يتم في شارع طنجة بل في آخر معروف لدينا معاً لا غير ، أما التوقيت حدَّدتْه الجملة "مَتَى انتهيتَ" ومعناها في العاشرة تماماً. وقفنا والميناء على أمتار من تحتنا ليُبلغني أن القنصل العام  يود مقابلتي لأمر هام ، أنت أدري بالكيفية التي تستطيع بها زيارة مقر القنصلية دون تعرضك لشكوك وما قد يترتب على ذلك من استفسارات  وأبحاث تطاردك مخاطرها مُستقبلا ، المهم أنصحك بإتمام اللقاء خلال الثماني والأربعين ساعة المقبلة، لقد أعطيت التعليمات ليتمّ استقبالك هناك استقبالاً عادياً مثلكَ مثل أي مواطن مغربي آخر. طرقتُ لحظة مأخوذا بخاطرة أثارت انتباه محدثي الذي ازداد تعجبا حينما سمع مني : - المسألة لا تتعلق بالترتيبات و لا بالعثور على انسب المبررات لزيارة قنصلية بلديي، بل بالقنصل العام نفسه ، الذي صراحة لا أثق به إطلاقاً . سألني بحيرة غيَّرت رنَّة صوته الأقرب أصبحَ من رعشةِ خوفٍ لم يقدر على إخفائِها: - لماذا ؟؟؟. أجبتُهُ بالآتي: - وصلتُ إلى مدينة "القصر الكبير" مُلبِّياً دعوة مجموعة أحترمُها ولا أرفض لها طلباً ، لأستمع َعمَّا فعل بمدينتهم "الباشا "م/ ب" ، الذي لقَّبوه بذي القلبين ، حالما شجَّع وسَاهَم في هدم أجمل نافورة تركها الأسبان في قلب المدينة العصرية لتُشيَّد فوقها أخرى على شكل قلبين لا تنسيق يربطهما بما يحيط دائرتهما من بنايات تتخلّلها طرق رئيسية أربعة ، ولا احترام لمعالم لا تُقدَّر بثمن  عُرفت بها المدينة ، كقابلة لاحتضان هندسة عمرانية ، تجعل منها قبلة عشاق جمال  يزيد من قيمة مواقع مرصع تاريخها بجواهر المجد ، ولآلئ المواقف البطولية الدائمة الحضور من عهد "معركة وادي المخازن" الخالدة ، إلى زمنٍ ذاك ، حسبَته المدينة العريقة الأصل ، مدخلاً للتقهقُر العقيم ، والتراجع المؤسف عن أي نماء مهما كان المجال ، طبعاً اتصلتُ بذاك المسؤول فوجدته لا يفكر إلاَّ في الرحيل عن المدينة التي حسبها لا تناسب مجازة ، ولا تمنح لشخصه المكانة التي يستحقها ، ولا توفر لطموحه أي ميزة يعتمدها في التقدُّم بمنصبه إلى الأفضل ، ممَّا ترك في ذاكرتي انطباعاً أن الرجل مُرغم على تحمُّل مسؤولية أسمى منصب في مدينة لا يراها مؤهلة لاحتضان سعادته ، ومنذ تلك اللحظة وبعض أخباره لا تفارق اهتماماتي ،  كصحفي يسجّل ملاحظاته عن أحداث  عايشها ، فوق ورقٍ مُقَوَّى يصارع رطوبة أيام متقلِّبة ، بما يحفظ على جوهر الصورة الحقيقية ، العاكسة البداية وما بعدها ، لغاية الوقوف مع حُكْمِ القدر ، على الموعظة المُستخلصة منه ، حكمة الواقع تلك الساعة ، في الجزائر العاصمة معي ، كخادم عن ثقة وإيمان في وطني المغرب ، وذاك الباشا في "الداخلية" الذي تحوَّل "للخارجية " برتبة القنصل العام للمملكة المغربية في الجزائر ، المفروض أن التقي به في ظرف ثماني وأربعين ساعة لأمر هام ، دون حاجتي إليه ، ولولا احترامي لما يمثله لتجاهلته بالكامل .

... تنفَّس المستمع إلي الصعداء ، وغاب لما ينتظره من مهامٍ جِسام ، أقلها تَخيًّلاً تفقد المرء حاسة النعاس لأيام طوال ، وكما كتبتُ أكثر من مرة ، أن الإخلاص للوطن يبتدئ بالإخلاص للعمل ، فأي عمل أحَبّ على المخلص لوطنه ، أكبر من البحث عمَّا يرفعُ به شأنه ساهراً الليل والناس نيام ، فاقداً لأنيس في وحشة وحدة ، أضاقت لهواجسها غربة وسط جو، عيون رُقبائِه جاحظة بشديد حقد ، بين أيديهم سكاكين الغدر متأهبة للضرب ، و أناملهم ممسكة بأقلام متحركة بافتراءات مُسطَّرة تقارير تعجِّل بالانتقام من كل قائل "لا" عكس " نعم" السائدة بالقوة والخوف ، وحبَّذا لو كان الأمر في هذه الجزائر "البومدينية" تخصّ الجزائريين ومشاكلهم الداخلية ، بل أرادت التدخّل فيما لا يعنيها بالمرة ، ولم تجد غير المغرب المسالم عن اختيار صائب ، بالصبر لأروع مثال في احترام الغير واهب ، على التحكُّم في مشاعره اتجاه جيرانه بالحُسنَى راكب .

... مع الساعات الإدارية الأولي لليوم الموالي ، رفعتُ يدي داخل اجتماع طالباً الكلمة لأخبِر الحاضرين أنني راحل إلى المغرب باتفاق مع الأستاذ كاتب ياسين الموجود بيننا الآن ، ُمنفذاً المادة الثانية من اتفاقٍ مُصادق عليه من طرفينا ، يتعلّق بعمل ضخم وطني جزائري ، اقترحه فخامة رئيس الجمهورية ،  وبالمناسبة سأتَّجه غدا للقنصلية العامة المغربية راغباً الحصول على جواز سفر جديد ، يعوّضني الذي ضاع مني ، لذا التمسُ من السيّد المدير أن يمنحني رخصة تكفيني للذهاب إلى المغرب ثم العودة منه ، لا تَقِلّ عن عشرة أيام حتى أتمكَّنَ من أداء ما تتضمنه تلك الاتفاقية التي يملك الأستاذ ياسين كل تفاصيلها اتجاه من تهمه  تفاصيل المسألة . أعتقد أن الأمر أصبح يؤهّلني الالتحاق بموجبه لمقر القنصلية العامة للمملكة المغربية بالجزائر العاصمة ، في مأمن من شكوك قد تشوب سيري العادي لتنفيذ ما يدور في خاطري . ...هناك التقيتُ بالمسؤول المغربي الممثِّل الرسمي للمملكة المغربية في حدود الأعمال القنصلية المتعارف عليها دوليا ، وحتَّى لا أضيِّعُ وقتي في كل ما هو جانبي ، إستفسرتُه عن السبب الذي طلب على إثْرِهِ حضوري ، فخاطبني بأسلوبٍ لم أعهده فيه من قبل ، ضمّنه مقدمة لا أساس لها بالموضوع ، ولمَّا قطن أنني غير مهتمّ  بكلّ مَن يمدحني بلسانه وليس بقلبه وعقله معاً ، انتقل ليتعرّف مني عمَّا أرمي القيام به  عساه يساعدني إن كان الشأن المقصود يتخطَّى إمكاناتي ، وكلمَّا أطال الكلام كلما ازدادت ابتساماتي إلى أن وصلت حد القهقهة التي أثارت تعجبه فصمَت عن الكلام ليترك لي الحق فيه لأصارحه : - أعلم بالضيق الذي اعتراكَ بعدما تُرِكتَ وحيداً ، حتى السفير "السنوسي" غاب ولم يترك لكَ عنوانه ، الاتصالات بينكَ والوزارة المنتمي إليها مقطوعة لأسباب أنتَ جاهل تفاصيلها باستثناء القشور ، حتى كلامكَ يشوبه قلق تطور إلى خوف عن نفسك وذويك ممَّا طَغَى تصوُّرُه على عقلكَ ، لتتخيَّل أنكَ موضوع في قفصٍ وإن كان دبلوماسي السمات محميّ بقوانين معترف بقوتها عالميا ، إلاَّ أنه قفص لا يحميكَ كما ظننتَ من غضب سلطات جزائرية تكشّر على أنيابها الحادة لافتراس كل مغربي شديد التعلّق بحبِّ وطنه ، المرجو سيادة القنصل العام أن تكون في الطليعة من موقعكَ المُوقَّر المحترم ، مدافعاً وفق إمكاناتكَ وطاقاتكَ وحقوقكَ الدبلوماسية و تذَكَّر أنك محروس بهَيْبَةِ المملكة المغربية الشريفة ، ومن كان مثلكَ محروسا بما لا يقدر أحدا على مسها بسوء ، عليه أن يتحلَّى بالتجلّد الجميل ، والتعقُّل المتين ، وترك الأمور العادية تسير على طبيعتها ، وكل المغاربة المقيمين في هذا البلد الشقيق ، وهم بالآلاف كما تعلم معك ، والنصر صبر ساعة . الآن سيادة القنصل العام  أنا في حاجة فورية لجواز سفر جديد ن الذي شيَّدت سبب زيارتي لك على قاعدة الحصول عليه . نهض من مكانه واتجهنا لقسم لم نخرج منه إلا و الجواز بحوزتي ، بمهنة "فنان / ملحن" مسجّلة فيه حسب رغبتي . رافقني حتى أخر متر من باب الخروج وتعانقنا على أمل اللقاء بعد عودتي من المغرب مباشرة .

... بمقر إقامتي في ساعة متأخِّرة من الليل ، زارني الأخ "عبد القادر" أحد العناصر الأمنية الذي تعرّفتُ عليه  بالملهى الليلي حينما دعاني للسهر داخله الصديق السوري تيسير عقلة ، وأيضاً في مناسبات عديدة داخل المؤسسة ، والمكلَّف كما علِمتُ فيما بعد ، بمراقبتي عن قرب لبواعث ظلت لديّ مجهولة لحين ، سببُ الزّيارة لخّصها في كونه يريد أخذي وقريبة له في سيارته لمدينة وهران  ، الذاهب إليها لشأنٍ عائلي خاص ، ومن هناك اركبُ القطار المُتّجه لمدينة وجدة ، عَمَدَ لمثل الاقتراح لمَّا علِم أنني مسافر للمغرب غداً صباحاً ، بواسطة أصدقاء له في مؤسسة الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، حينما كان يسأل عنِّي هناك ،  قَبلتُ دون نقاش، بل شكرته على مثل العناية، وأخبرتُهُ أنني سأكون جاهزاً لذلك مع الساعة السابعة بعد الفجر. بنفس الموعد وجدني أنتظره بباب إقامتي فانطلقنا كل واحدٍ وما يضمره للآخرين بما يهمس لنفسه من أسئلة يحاول إيجاد أجوبة مقنعة لها . أراد خلال الطريق جَرَّ لساني للكلام ، فلم يفلح إلاَّ بالجزء التافه المنعدم الأهمية منه ، ولما غمره اليأس جملة وتفصيلا استبدل الصمت السائد لمدة بنغمات أغاني تبثها إذاعة وجدة الجهوية ، إلى أن توقَّف أمام دكان على مشارف المدينة ، فنزل لابتياع علبة سجائر ، لحظتها مدتني الأخت الجالسة ورائي بغلاف طالبة منّي أن اقرأ ما يحتويه من رسالة داخل القطار المتجه بي صوب ارض الوطن المغرب ، بعد ذلك علي َّ بحرق العلاف والرسالة والصورة المرافقة لهما  ، متمنية لي النجاح والتوفيق فيما اسعي إليه آنياً ومستقبلاً قي البلدين المغرب والجزائر . في أقل من نصف ساعة وبباب محطة السكة الحديدية بوهران ، ودّعتُ السيد "عبد القادر" ومن ترافقه ، تتسابقني الرغبة لاستنشاق هواء بلدي المنعش ، الجاعل كل ما تلقاه صدري من هموم القلق والخوف وما شابههما ، مجرد حدث عابر يلج ذكرى أيام مشحونة بتقديم ما يجعل المغرب وأحبائي المغاربة بعيدين عن شرور حُسَّاد يتقدمهم الرئيس الهواري بومدين .

(الصورة : مدينة وهران الجزائرية)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

الخميس، 8 أكتوبر 2026

حكومَة لِأَهَمِّ مُهِمَّة

 

حكومَة لِأَهَمِّ مُهِمَّة

سبتة : مصطفى منيغ

جُلّ الشعب استيقظَ مِن سُبَاتٍ استَمَرَّ أكثر مِن عَقْدَينِ شبيهَيْنِ بحرفِ عِلَّة وسط  كَلِمَةِ "كَان" ، لذا جاءت انتخابات 23 شتمبر الماضية مُعبِّرَة عمَّن لِمَوْقِفِه صَان ، ولولاَ أصوات بعض الأقاليم الصحراوية بالجنوب وقِلَّة دَوَاوِير في الشمال لأصبحَ العزوف التام أفْصَحَ بَيَان ، عن فشل تكرار نفس العملية الهادفة لتمكِين مَن هُم على البَالِ البقاءَ حُكَّاماً لِما يَرَوْنَه لمصالحهم الداخلية كالخارجيةِ أنْسَبَ مَكَان ، يمارسون داخله إضافة لِمَا سَبَقَ ما ألِفُوه مِن استبدادٍ وظُلمٍ وفسادٍ وضُعْفِ إيمان ، ولسواهم أغلبية هذا الشعب (المُصابة بأزمات مفروضة عليها لأسباب مؤكَّدة) مَن يَحسِبُونَه أَشْرَفَ وَطَن يَوْمَهُ ككلِّ زمان .

ماذا وَقَع أكثر من المُتَوَقَّع ، إخراج فريق أدَّى خَدماته لغير صالح الشعب وانتهَى ما سُلِّطَ عليه مِن بريق ، فَيُدْفَعُ به لبحر هائج بمُخَلَّفات لا تَسّر ليُجَسِّمَ دور غريق ، واستقدام آخَرَ مهما تعزَّزَ بأسماء وازِنة سَيَلِقَى نفس المَصير ، بَعْدَ تمرير ما تَقرَّرَ مُسْبَقاً تمريره ، من طرف خبراء في خِبْرَةِ ابتكارات المَقْصُود بها عَلَناً التغيير مِن أجل الاصلاح ، وسِراً تعظيمُ ما يُشَكِّل إتقان جِراح ، أنين أصحابها تخفت تدريجياً  بالصمت المُوَلِّدِ الإدمان على الخوف ، وصولاً لنقاهَة القناعة بالموجود ، سياسة لا مَرَدَّ لشُرُورِها غير انتظار الفَرَج ، ليَعُمَّ الأرض والمُهَج . نفس الطريقة والمنهجية والتكالب على أهم الحقائب الوزارية ، كأنَّ المسألةَ حاصِلَةٌ عن مقاييس تنافسية ، تُبشِّر أن المنبطحين لخدمة وطن "قِلَّة" ، شربوا مِن نبعِ ديمقراطية أجمل ما فيها العداء المبيت للديمقراطية ، ولا غرابة فدائرة النفوذ المُطلَق تبتدئ مِن نقطة لتنتهي بعد دورة محدَّدة في خمس سنوات إلى نفس النقطة ، ولغير الصابرين الاصطدام مع جدران معمولة بأموال دافعي الضرائب ، ليتم صبغها كل مرحلة بلون ، إلى ما شاء السكوت على المُنكَر بالمفيد المُختصر .

… أحزاب مسيّرَة بعضها لتتحرَّك وقت اللزوم للاضطلاع بأدوار المشاركة العملية في مسرحية مرحلة مُعاشَة تقود تعايش مَن شيد  قاعدة محورها الأوحد من زمان ، شجرة بعشرات الأغصان ، مروية بمقومات مواجهة أجواء الأجيال ، بما يستحق بذل المزيد من المجهود لتتوارث الخنوع ، وتتقبَّل راضية كل ممنوع ، يؤدي لعدم الانعثاق من العبودية ، فقط الالتحام مع الطاعات العمياء لكل التعليمات ومنها الصيام عن التمسك بالحق أو بناء الدلائل على حقيقة الحقائق ، أو الإقرار بأنَّ للإنسان في هذه البلاد الأمازيغية الأصل حقوق .

… قريبا ستتشكل هذه الحكومة وأمامها مهمة المهمات التالية : نسيان المرحلة السابقة وما جسدت من عجز فادح لانجاز أي شيء يصب في مصلحة الشعب ، والبدء في تنفيذ ما اتفق عليه خلف الكواليس ، بواسطة المشرفين قهراً على جميع المجالس ، والاستعداد الجيد لمواجهة كل أشكال الاضطرابات المجتمعية مطالبة بترجمة وعود الحملات الانتخابية على ارض الواقع بدل اصطناع ظرف بعِلل لمثل الفعل الأساس حابس .

    مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

حكومة لمرحلة ملغومة

 

حكومة لمرحلة ملغومة

سبتة : مصطفى منيغ

العالم مِن حَوْلِنا يضحك على بعض السياسيين مِنَّا ، مِن أحزابٍ مُعيَّنةٍ أو المحسوبين بيادق "قِلَّة" حاكِمَة لم تَعُد يَهُمُّها أمْرُنا ، فتصرَّفت كصاحبَةِ ضَيْعَةٍ المَفْرُوضُ أن تكونَ أرضنا ، لو كُنَّا في مستوَى وَعْي يُبْقِينا ، أحراراً في جموع حدودنا ، ونُبقِي تلك "القِلَّة" تُحاسِب نفسها قبل أن نُحاسبُها  وتعود للاندماج في دولة الحق والقانون بَعْدَ الإعلان عن توبتها لخالِقِنا ، ودون ذلك مهما عَمَّرَت المُسَاءَلَة الصارِمة ستكون مصيرها في دنيانا قبل آخرَتنا . العالم يضحك وهو العارف عمَّن يقصد مُحَدِّداً مواقفه منها وليس مِنا ، إذ نحن شعب عظيم وتيك مهما تجبَّرَت ستظلّ تحت رحمتِنا ، غداً أو الآتي بعده ستتيقَّن أنها مهما حَصَدَت ستستمر جاهلة أسلوب زرعنا ، حيث السنابل المترعرعة بنضال حرائر نسائنا ، تتحوَّل لقامات الأحرار مِن رجالنا ، غير قابلة للتصدير بواسطة مَن يستغلنا ، مُمَثّلَة دورة صمودنا ، مادامَت تلك "القِلَّة" قائمة على امتصاصِ إرادتنا ، مَرَّة بالتَّرهيب وأخرى بانتخابات لا نرى فيها خيرنا ، كالتي أفرزت وجوهاً بعضها مَكرُوهة لديْنا ، ليُكَوِّنُوا حكومة أسْوَأ ممَّا كانت عِندنا ، كَلاَمُها مُرَتَّب على أظهارِ السَّطْحِ لصالحِنا ، بينما الجَوْهَر انبطاح لغيرنا .

الاتصالات والمشاورات ما نسمع دون رؤيتنا ، مِن داخل نفس المطبخ وطبق الرؤوس المختارة مُحْضَرَة لتقديمها مُحمَّرَة في زيوت ديمقراطية لا حول لها مثلنا ، أصحابها أضحيات عِيدٍ لا يشبه العادي المألوف بيننا ، بل مستخرج مِن سياسة المالكين مِحراث الحداثةِ الماسح على التوالي أصالتنا ،  وميزانَ الخبر بغير مبتدأ مضمونه لا يشبه ميزان عدالتنا ، ووردة أوراقها شوكا وساقها عصا مشوه شكلها عموماً لا يقترب مِن الراسخ في ذاكرتنا ، بعدما ذبحوا حمامة ليكتبوا بدمها الأزرق الشعار المثير"مهما حَظِيَ مَن حَظِي بِجَنَاحَيِّ الحُكْمِ البرلمان والحكومة مصيره بين أيادي السائرين بشأننا ، الى التفكير في إشغال تطلعاتنا ، بخيارات مُقَرَّرَة على انفراد دون إشراكِنا ، فلو تنازلوا وتصرَّفوا كما شئنا ، لأضاعوا ما بنوه مِن عقدين وأكثر في غفلةٍ منَّا ، ولَمَا استطاعوا خلق مراحل على نمط هواهم مستفيدين مِن عميق نومنا ، عاملين على ضمان رفاهية مَن يخدمونها كأقليَّة متحكِّمة مطلوقة الأيدي في كل شيء رغم أنفنا .

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 19

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 19

تطوان : مصطفى منيغ

... أنهيتُ ما وعدتُ مدير المؤسسة بإنهائه بَدَلَ الأسبوع في اليوم الخامس، فوجدته لتنفيذ مقترحاتي جد متحمِّس، مُبدياً لي الإسراع في مقابلة الرئيس، حالما يتوصل بإشارة الموافقة ومناقشة جزئيات التأسيس ، الموازي لما سيذاع كما أشرتُ ليثق الشعب أن الأمرَ جديٌّ لا غبار عليه ولا أدنى تدليس ، انطلاقاً لعصر جديد تحياه الجزائر على هدى الدول الكبرى دون مشاكل تقض مضجع النظام وتبيت زعيمه متقلباُ مع هلع كوابيس ، إذ الإصلاح متى يرخي محاسن أفعاله يجد مِن حوله كل مؤيِّدٍ ثري أو مُفْلِس ، كأنه للفقراء المحرومين المنعزلين عن مباهج الدنيا أفضل أنيس ، مُشِعٌّ للأمل حيث قنوط الحاجة وضيق الحال وَسَّعَا نفوذ اليأس الخَسيس ، والجزائر قائمة على بحرٍ من الخيرات لا تُبْقِى أحداً مِن ملايين مواطنيها العوز على صدره كابس ، ولا ظلام عيشٍ لنور الاكتفاء الذاتي في كل المواد حابس ، ولا وجه مهما كان صاحبه بعد نهضة الثورات الثلاث عابس .

... انصرفتُ بعدها للاهتمام بالمعركة التي رأيتُها أكبر من حجمي بكثير ، وسط ما تواجهني في ساحتها المتشعِّبة الأطراف ، من قِوى هيكلة أصغرها كهِزَبْرٍ جائع يكاد الجنون يفقده الصواب فلا يجد غير الزَّئير يفر من هول صوته الأبعد منه قبل الأقرب إليه . انصرفتُ مَشياً كعادةٍ تتكرَّرُ معي كلمَا شعرتُ بالضيق يجتاحني ، ومع تيهان التفكير لم اشعر بطول المسافة الرابطة شارع الشهداء عند الرقم 21 ، بساحة حيث المسرح ومدخل حي باب الوادي المتصاعد بدُوره المشيَّدة على الطراز التقليدي القديم لتُستغلّ مخابئ مقاومة جماهيرية دوّخت الاستعمار الفرنسي لدرجة أرغمته على الرحيل مكسور الخاطر ، وهو يحيا أسوأ مراحل حياته التاريخية المرتبطة كانت بضمّ الجزائر ضماً أبدياً لفرنسا الحالمة بتقليد عظمة المملكة المتحدة في تأسيس إمبراطورية  فرنسية لا تغيب عليها  الشمس .

في الساحة مقهى تطل من جانبها الخلفي على الميناء، وغير بعيدة عن محطة الحافلة التي تقلني وغيري من المسافرين إلى "لامدراغ" ، جلستُ  داخلها لأستريح قليلاً وأركز في بداية الخطوة الأولي على طريق ما تخيلتُها معركة بيني و الهواري بومدين الذي لا خيار لي في نهاية خوضها ، غير الانتصار المحوِّل راحة تفكيره إلى قلقٍ دائمٍ يلعن اليوم الذي قرّر فيه معاداة المغرب ، لن تكون المعركة قضية استعمال عضلات ، ولا قعقعة بارود ، ولا منازلة سيوف ، ولا مظاهرات حاشدة تجوب الشوارع ، بل معركة من صنف غير مسبوق ، سلاحها الأوحد الفكر ولا شيء سواه ، الفكر المُبدع المُخطِّط المُنفِّذ ، الجارِح بلا سكين ، الذابح بغير نزول قطرة دم واحدة من عنق المذبوح ، الصاعق بغير تيار كهربائي لامس القطب الايجابي بالايجابي ، الفكر الناجم تركيزه على شلِّ حركة الهدف ، و إلغاء الثقة حتى في نفسه . الحقيقة معركة من هذا القبيل تحتاج لوقتٍ طويل استعداداً لتفجيرها حدثاً ، لا يمكن نسيانه مهما عمد المتخصِّصون في ترويض  النسيان ليعم كل المسالك المؤدية لاستحضاره من جديد ، عنوان خيبة مهزومٍ سجَّل عجزاً لا يمكن تقييم أثره المعنوي قبل المادي ، والمصيبة أعظم ما دامت رمي قُرْصٍ يصيب دماغ نظام لبعثرة ما عزم خلقه من مؤسسات بعيدة كل البعد عن طموحات ومصالح الشعب المشروعة بصفة عامة ، ورئيس دولة من حجم الهواري بومدين بكيفية أخص ، عسى الأخير يتراجع عن مؤامراته الخطيرة الأبعاد ، الموجهة لعزل المملكة المغربية الشريفة ، عن تحقيق استرجاع تراب أرضها الناطق  بشرف انتسابه للمغرب الشريف .

... مندفعاً بحماس وصلتُ "الكشك الشاطئي" الغير بعيد من مقر إقامتي لأجد كاتب ياسين مرفوقاً بأربعة آخرين ممَّن ينعكس على هندامهم دليل الانتساب لذاك الجهاز ، الواضح دخوله بتعنت ملحوظ في لعبة توجيهي لميدان تعلمتُ سابقاً كيفية الخروج منه سالما ، مَنَحَنِي "ياسين" كأساً ممَّا يتجرّعون ، فواجهته بحقيقة أنني لا أتناولُ الكحوليات إطلاقاً ، المهم إن كنتَ حاضراً للمكان لمعرفة ردّي عن مشروع "مسرحية الرئيس" ، أُبلغكَ أنني موافق ، قلتُ له ، موضحاً بعد ذلك انصرافي ، إذ ورائي من الأعمال ما يسهرني لغاية الفجر ، على أمل أن نلتقي غداً مساءً لمعالجة التفاصيل ودراسة المتطلبات وتحديد موعد أخذ قرار البدء في التطبيق ، لنقل المكتوب على الورق إلى حركات وأصوات على خشبةٍ غير مسبوقة في تاريخ أبي الفنون بالجزائر الدولة .

المُكَلَّفُ بعملٍ ما يَبْقَى )مهما بَلَغَ ذاك العمل مِن أهمية أو مستوى النّفع(  دون ارتباط بإرادته الشخصية بَعْدَ مبادئه ، ومن تَمَّ مصلحته المُعزَّزة برقمٍ مصرفي يُوضَع في حسابه ، يُغري استعداده المشي على بساط يَمٍّ دون الانتباه أنه من البشر إن غادر يابسة الوطن غَرقَ بما مَلَأَ به جَيْبَيْه ، فيعود غير صالح حتى للذِّكرى إذ الفشل سلاح أسراره غير معروفة لديه ، لذا الإقناع تَيَسَّرَ لي حالما اكتشفتُ جُلَّ نقط الضعف فيما كان لزاماً عليَّ إقناعهم من أناس تغلّبَت على ضمائرهم أنانية استحواذ ما يضمن لهم العيش الذي اختاروا قَدْرَه بعيداً عن أي مُؤثِّرات عاطفية ، تجعل الجزائر الوطن ولو في المرتبة الثانية ، لا تعني عندهم إلاَّ الانتساب في بطاقة تعريف ، وهنا يختلف الجزائري البسيط في عظمته المكتسبة من المشاركة الفعلية التي غيَّبت لمرحلة من حياته الابتسام أو الراحة أو التمتع بحقوقه المشروعة كإنسان ، يختلف عن الجزائري الذي وَجَدَها في الوضعيتين (تحت الاستعمار وفوق الاستقلال) معبَّدة بما يستمرّ فيه على هواه ، كنبتة تطفَّلت على نخلة تمتصُّ من جذورها ماء الحياة ، وتحتمي بقوة جذعها كي لا تجرفها عاصفة رملية تساعد الطبيعة على تنظيف نفسها بنفسها ، جزائري يحنّ لفرنسا ويغتنم حاجة الجزائر إليه ، فيلعب على الحبلين ، مهما وجدَ الغنيمة وَثبَ صوبها ، ليصرف بما كسب منها على شهواته في الاتجاهين الداخلي والخارجي . مِن حظّ الشّعب الجزائري أن النوع الأخير من الجزائريين ، عددهم قليل ، و مقامهم باهت ، ونجاحهم مؤقت ، ومكاسبهم تتبخّر مع الحرام ، وذكراهم معرّضة للمسح والتبدُّد . الهواري بومدين اعتمد على جزء من هؤلاء جلباً لتأييد فرنسا لمباركة قراراته من جهة ، وتحقيق سيطرته بالكامل على دواليب حكم مهدَّد ذات يوم من عمر الزمان بالانتهاء مع حلول تغيير يفرضه الشعب لتخليص حبيبته الجزائر من عشق وَهْمٍ  ، ما أضاف لها غير الفقر وهي من أغنى الدول . لو كانت المخابرت الجزائرية قرأت بعمق ما وراء سطور نصّ مسلسل "السُّنبلة الحمراء" الذي قدَّمتُه لتنتجه مسلسلاً مذاعاً عبر الأثير الإذاعة والتلفزة الجزائرية ،  لتبيَّن لها ما أناضلُ من أجله  حتى داخل الجزائر ، لتَتَّخِذَ موقفاً يحقِّق على يديها إصلاح لا يخدم الحاكم المستبدّ بل الحاكم العادل في تلك المرحلة ودم الشهداء لم يجف بعد ، خدمة  منطلقة من حماية الشعب المحقِّق معجزة الانتصار على فرنسا المشهود لها آنذاك بالقوة التي لا تُقهر ، بدل الانبطاح حيال رجلٍ لم يكن كفاحه يفوق كفاح أيّ فلاَّح قروي مغمور في أي جهة من تراب الجزائر الشريف ، المروي بعرَق نساء ورجال  تلك البداية المباركة لمعركة استمرت في حصاد أرواح طاهرة نالت الشهادة ، وخيَّب الهواري بومدين تضحياتها الجسيمة تلك ، بما تميَّز حكمه بالانحياز التام لطعن الدولة الجارة التي حَمَتْهُ وأطعمته وهو في مدينة من مدنها الموقّرة "أَحْفِيرْ" يعمل في محطة للوقود . لو قرأت تلك "المخابرات" ، وفيها مَن يتقن بالفعل القراءة التحليلية المتفحِّصة بمجهر التركيز على أدقّ التعابير المُستخرجة منها شَفرَة التخاطب بين الألباب الذكية المُرسِلَة  وقرائنها النابغة المتلقِّية ، لاستنتاج المقصود الفارض التعامل معه ، بما يلزم من التضامن الايجابي أو المواجهة للدفع بالتي هي أقوم انجازاً للسِّلم الاجتماعي والأمن الداخلي الوطني ، لكنها مجرد جهاز مُكتفي بالقشور ، حتى لا يكتشف الأسباب الحقيقية ، فيندهش من تحمُّله الجزء المُؤثر من مسؤولية تدحرج البلد لما لا يُحمدُ عقباه ، بتطبيق سياسة الوجه والقناع في وقت واحد ، لتعمَّ الضبابية في التعامل العمومي الرسمي ، و ينسلخ التنسيق لتلبية الحاجيات اليومية للشعب في وقتها ، لتطغى فوضى الفساد ، فتتغلَّب المحسوبية والانتقائية والزبونية معظم المجالات ، فتصبح الأغلبية في حاجة لتدخُّل حفنه من المسؤولين ، لتوزيع قطرات لا تليق بسَيْلِ خيرات أمة ، تعيش كأنَّها غريبة عن نِعَمِ بلدها ، وإن علمت بحجمها وُضِعت في تعتيم إعلامي مدروس ، لتبقى الكنوز مَكْنُوزَة حيث أراد المُكْتَنِز الكنَّاز ، لأسباب عرّ الزمن على أجزاء منها ، تكفي لحصول غليان جماهيري ، يُبدِّل الحال بأحوال أحسن وأفضل وأقوم وأليق ، بالشعب الجزائري العظيم .

... من مسلسل "السنبلة الحمراء" مشهد أعاد اهتمام جبهة التحرير الوطني إلى مراجعة تصرفات البعض في منح صفة مجاهد لبعض المحرومين منها تجسَّد كالتالي :

القاضي يسأل :

 - ما خَطْبُكَ أيها المواطن ، أفصِح بالدليل أنك مظلوم وهذه المحكمة ستنصفكَ إن كنتَ بما تقدِّمه من إثباتات  موثقة بما يقرضه القانون على حق . ابتسم الرجل ابتسامة فَاهِمٍ على طريقته كمُجَرِّبٍ لما احتضنَت الحياة السائدة في الأيام الأولى للاستقلال من تخبُّط وتداخل أفرز من المشاكل الاجتماعية ما لا يجمعه مجلد ضخم تضاعف حجمه بانتقال السلطة من إلى ، حيث يخاطب القاضي بلغة جديدة على قاعات المحاكم آنذاك قائلاً :

- لم أعد بعد يا سيدي القاضي الموقَّر، حاملاً لقَب مواطن ما دمتُ لا أتمتَّع في بلدي هذا ولو بأدنى حقوق ، شبيه إنسان أعيش في قرية جرَّدها الاستعمار من جل مقومات الحياة ، تاركاً ما أطلق عليهم الرُّعاع ، بغير رعي يمارسونه ولا أنعام ترعَى تحت حراستهم ، ممَّا عجَّل فينا القيام بما يمكننا مشاركة الجزائريين الأحرار في كل مكان ، لإعلانها ثورة نفنَى بها عن آخرنا أو يبقى بعدها مَن يحكي عن أهوال مواجهات ما ملكنا خلالها غير الصدور العارية ، والسواعد المُتعبة ، والمناجل التي اعتلاها الصدأ ، فسقط منا الشهداء من شيوخ ونساء ، منهم زوجتي وثلاثة من بناتي ، وأخيراً جاء عليَّ الدور لأصاب برصاصة أوقعتني أرضاً أنزف دماً ، ولولا بعض الأخوة الذين حملوني لبيت من بيوتهم ، ليُخرج أحدهم الرصاصة من كتفي ، لكنتُ الآن ضمن الذين رحلوا لرحمة الله سبحانه وتعالى ، مرت الأعوام سيدي القاضي وكلما طالبتُ المسؤولين بإعطائي صفة مجاهد ، لا يرفضون وحسب ، بل منهم مَن تصرَّف معي تصرُّف ذاك الفرنسي المستعمِر الذي أراد قتلي ليرث ارضي وأرض أجدادي وأحفادي من بعدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهكذا أصبحتُ متشرداً متسكِّعاً نهاراً ونائماً داخل حمامات العاصمة التقليدية التي تتحوَّل لفنادق تحتضن أجساد الكثير من الجزائريين أمثالي ، المحرومين من السكن والعيش الكريم والهندام النظيف و الحق المشروع في التمتع (وحسب قدري) بخيرات الجزائر التي أعطيتها من فلذات كبدي ولحمي ، فأي مواطن أكون يا سيدي القاضي ؟؟؟، تطلب مني الدليل ، بالتأكيد أحضرتُ لمحكمتكم الموقرة دليلين وليس بواحد ، الدليل الأول هذه الرصاصة التي لا زلتُ احتفظ بها لمثل الغاية ، أما الدليل القاطع الثاني انظروا إليه من خلال هذه القنينة التي وضعت وسطها سنبلة نزعتها من سنين ملطَّخة كانت باحمرار دمي ، النازف من جرح الإصابة التي حدثتكم عنها سابقا ، تمعنوا في السنبلة الملونة بما جفَّ فوق حباتها اليابسة ، ابعثوا بها و بي لأي مختبر لتحليل الدم الجاف المأخوذ من السنبلة ، بالدم المتبقَّى في شراييني ، إن تبقَّى منه شيء ، العلم قادر (إن لم يكن داخل الجزائر ففي أي دولة مجاورة) ليشهد ويمدني بالوثيقة الدليل أنني كنتُ من المجاهدين الجزائريين الشرفاء، الذين من العار أن يصبح حالهم على هذا المنوال. و لك سيدي القاضي في محكمة الاستقلال هذه واسع النظر.

القاعة يشوبها صمت لا يكسِّره سوى صوت القاضي، وهو يعلن في تأثُّر بالغ :

-      الحكم بعد المداولة .

(الصورة : مدينة أحفير المغربية)

          مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22

  من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 22 تطوان : مصطفى منيغ تركتُ الأخوين في الفندق ونزلتُ لألتقي بكاتب ياسين ، عسانا ننتهي في نقس اليوم من در...