الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6

تطوان : مصطفى منيغ

أعلنت وزارة الداخلية عن رغبتها إجراء مباراة لتوظيف عددٍ محدود من الشباب ذكوراً وإناثاً ، وتعيينهم بعمالة (محافظة) إقليم تطوان ، اغتنمتها فرصة فتقدمت اجتياز الامتحان لأنجح بأعلى درجة وأكون الأول على رأس المشاركين جميعهم ، فعيِّنتُ كاتباً إدارياً مكلفاً بالمجلس الإقليمي كما ابلغني بذلك السيد محمد بناني رئيس قسم الشؤون العامة بنفس العمالة ، ألا أن هدفي كان الحصول على جواز السفر لإتمام رحلتي مع التخطيط الذي فضَّلت إتباعه أولاً وأخيراً ، أن أغادِرَ المغرب إلى المملكة البلجيكية ، ولا أعود إليه إلا وقد حقَّقتُ ولو جزءا مما كنتُ أطمح إليه صحفياً مرموقاً  له الكلمة المسموعة إن تحدث ، والمقالة المؤثرة إن كتب ، يرقَى بمهنة المتاعب الى وسيلة بناء مهما كان المجال ، والمساهمة في تغيير حال ، إن كان عن حسن تدبير صوب السلبيات مال ، دون وجل من أشباه رجال ، استغلوا نفوذ مناصبهم ليحققوا لمصلحتهم ما يوفره الحرام من أوسخ الأموال ، وهذا ما وَقَعَ بالفعل حيث منحني عامل (محافظ) الإقليم السيد امْعَمَّرْ اليعقوبي ،  ذاك الجواز يداً بيد ، وهو نفسه الذي منعني من هذا الحق مرات سابقة  ، واليوم وبمجرد قطعي الخطوات الأولى أجدكِ تسبحين بي في بحر ما كنتُ أتصور الاقتراب إليه ، بالأخرى أن أوضَعَ وسطه وأنا لا أتقن العوم بالمرة ، وكما ترين عزيزتي طريقي ليست طريقك ، وفكري مشحون بتلك الآمال التي إن أنجزت ربع مضامينها لكنت أسعد إنسان ، حقيقة هنا بهذه الدولة لا مجال للتقهقر ، أو التخلي عن حلم قابل للإنزال على قاعدة واقع ، إن صدرَ عن عقلٍ سليم صاحبه لا يقارن الواجب أخذه كحقيقة خادِمَة لمصالحِه الشخصية (بما هو طبيعي لا يتخلله أي التواء أو تحايل على القانون) ، بالاتكال العقيم على كاهلي عَرَقِ صاحبتيهما المجتهدة الجادة في مسعاها مثلك ، سأظلُّ مديوناً لجميلك عاملاً على تسديد كل فرك كنتِ السباقة لصرفه عليَّ ، لطيب قلبك ونقاء شيمة تربيتك ، بصرف النظر عن الوسط الذي تربيتي فيه ، غربيا كان أو وسطياً أو شرقياَ لا يهم ، مادامت إنسانية الانسان واحدة ، خيِّرة بالفطرة أو شريرة بإتباعها  شهوات الشيطان .

... بدأ الغيث يتساقط ، وكم كنتُ توَّاقاً للتعرُّف مباشرة من الداخل ، على تلك الحديقة الفضفاضة ، المُعرَّضَة لعناية خاصة كما يبدو ، حفاظاً عما ترمز أليه من ذكرى أيام خوالي ، حيث أراد بها الملك ألبرت الأول تخليد اسم زوجته الملكة الزابيت ، وجاء تصميمها على يد المهندس المعماري فيكتور بيسم انطلاقا من سنة 1868 ميلادية على مساحة تقدَّر بسبعة عشرة هكتاراً ، كأفضل مما دأب البعض من الطبقات البرجوازية في بعض الدول الأوربية وغيرها غبر العالم المعروف لذاك الوقت ، حيث كانت الهدايا  تجاوزت تقديم الحِلِيِّ والجواهر الثمينة ،  إلى قطعٍ أرضية شاسعة يتفنَّن مَن أهداها لإبراز قيمة المُهداة لها ، وتلك عوائد طوتها حداثة عصور متتالية ، أوصلت الفاعل لمن لا يرضون في قرارة أنفسه بتكراره ، ولكن الأمر هنا مختلف ، إذ هو الوفاء لوصايا رواد ذاك الجيل المؤسِّس لحد ما ، بداية نهضة نقلت المملكة البلجيكية الى ما هي عليه الآن ، وقد فاض الخير عن حاجتها فأضحت فاتحة أذرعها للآلاف من مهاجري العالم الثالث ، على اختلاف أسباب هجرتهم ، أولها عدم المساواة في تلك الدول الحاكم فيها جشع الاستحواذ على الثروات الوطنية ، من طرف قلة كلما مر عليها الزمان كلما طغت وأفسدَت وحسبت ما دونها من البشر بكونهم مجرد عبيد .

اقترحت عليّ رفيقتي التوجه لمطعم يقدم الإطباق المحلية الشهية طعمها بلجيكي لا تُنْسِي مَن يتذوَّقها لذَّة تارِكة على لسانه رغبة العودة لتناولها من جديد كلما أحس بالجوع ، وما كان علي ككل مرة الا مباركة أي اتجاه تقصده لتنفيذ أي فكرة تطرق إرادتها ، خاصة وأنا لا أملك سببا للمعارضة ما دامت جيوبي فارغة وحاجتي لمثل الضروريات تفرض علي أن أكون تابعاً ريثما أدبر أموري بما يضمن استقلاليتي وفرض اختيارات على مثل الإنسانة التي لحد اللحظة لا أعرف عنها شيئاً ولا ما تحضِّره لي من مفاجآت ، المطعم من أفخم ما رأيت لا يمكن أن تتخيل نفسك بداخله الا وأنت في العزيزة الأصيلة بلجيكا وأمامك ما يجسم المناطق معالم التراث الحضاري لهذه الدولة المعتزَّة بشخصيتها الفريدة من نوعها ، أما الأطباق فتدعوك عن بعد كقرب لالتهامها بغير السؤال عن مكوناتها كما حصل معي ، صراحة المكان يستحق التنويه مهما كلف من مبلغ يجعلك تفكر في دفع أكثر ، وأخيرا وصلنا للبيت والمطر لا زال يهطل ، يغري بالارتماء على فراش مثل الذي ارتميت فوقه بالأمس وإطلاق العنان لغيبوبة تلوِّنها الأحلام بالعيش وسط أمنيات من المستحيل عيشها على ارض الواقع حالة استيقاظ ، وقبل أن تغادر منحتني مبلغاً محترماً من المال  ، وجدته بعد عده خمسة آلاف فرنك بلجيكي ، وهي تقول لي :

- سأغيب بضعة أيام في عمل أؤديه بالعاصمة الفرنسة باريس ، إذا احتجت لأي شيء اتصل بالرقم المكتوب في المذكرة الموضوعة بجانب جهاز الهاتف وخذ معك (كلَّما خرجتَ) عنوان البيت ، ربما تتوه فتعطيه لأي تاكسي صغير يوصلكَ ثانية إليه ، أتمنى أن أجدكَ بعد العودة إليكَ وأنت في أحسن حال .

... صراحة لم أجد غير كلمة شكراً مرفوقة بنظرة تؤذي أبلغ رسالة موجهة لقلب تلك المرأة اللطيفة ، التي حيرني كرمها الحاتمي ، بل وشككني في نواياها الدفينة ، خاصة وقد صورتها مسؤولة لجهاز مخابرات أجنبية تحاول اصطيادي لأكون احد عملائها ، إذ المسألة تبتدئ بمثل التصرفات  ، لتتطور لمصائب تؤدي لأوخم العواقب ، لذا قررتُ حالما أقابلها من جديد ، أن أضعَ حداً نهائياً لمثل الغموض ، وأفكِّر في مستقبلي الذي جئت هذه الديار لأبدا في زركشة توقعاته الكفيلة بتغيير مجري حياتي الى الأفضل . (يتبع)

(الصورة : الملكة البلجيكية الزابيت)

                  مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 5

 

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 5

تطوان : مصطفى منيغ

أجابت وبسرعة ودون تريث ، قائلة بثقة عالية في الوصول لمبتغاها :

- الدنيا وِعَاءٌ فارِغ ما لم نملأه بما نَرْتَكِب من خطايا أو حسنات ، ومهما ضاق بما كدَّسناه بها يزداد اتساعاً من تلقاء ذاته دون إضافة تلقائية أو غيرها لحجمه من طرفنا أو تدخلات ، وكلما (هذه الدنيا) ابتسمت لنا نجاحاً نحقِّقُه أو ثروةً نجمعها عمَّقنا غرورنا في وَحَلِ طَمَعِ الزيادة بلا حدود لما نطمح إليه من غايات ، باختصار شديد إن لم نُدْرِك أن هذه الدنيا تضحكُ منا لِتُضْحِكَ علينا الآخرين انتظاراً لمن سيضْحَكُ عليهم بالتتابع لوجدناها سلسلة بدايتها رأس أفعى ونهايتها خليط من عقوبات ، تُقِرُّها ما لم نعرفها (إلا مُؤخراً) من محاكمات . حينما التقيتُ بكَ ضننت أن الصدفة بالفعل قائمة وليست حلاً منتشرا بين الطرقات ، تُضْفِي على غير الحاسب للأقدارِ حكمة تخطيطات ، فتح بصائر الباحثين عمَّن وضعوها في خانة المستحيلات ، ليتَأَتَّى لهم التفسير الصحيح لمهام العمل بالنِّيات . لذا أؤكِّد الآن أن تلك الصدفة مُدبَّرَة لتقديم تَحَوُّلٍ مُقَدَّرٍ مُسبقاً أن يحصلَ وعليَّ أن أتعاملَ مع الحدث بكونه مُوَجَّه لصالحي وليس لغيري رغم أنف الدنيا وفخَّ وعائها .  وإلا بما أفسِّرُ رغبة أقاربي بمدينة "دنهاخ" أن أظل تلك الليلة بصحبتهم فرفضتُ عكس عادتي معهم منذ سنوات ، وبقائي في تلك المقهى حالما وصلت من محطة الشمال للسكك الحديدية لاستمر بوسيلة نقل أخرى لغاية محطة مِدِي لأدخلها وكأنني على موعد مع شيء أجهله تعرفت عليه بمجرد رؤياك لأدعوك عن طيب خاطر وأقاسمك الحديث بل لأرافقك برغبة مني إلي بيتي الخاص وأدعك تستريح لإحساسي أنك تستحق مني (لسبب من الأسباب) مثل التصرف الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن ثقة أنها صدفة دَبَّرها القدر ، وما دامَت كذلك فلن أفرط فيك مهما حاولتَ الابتعاد عني . فما قولك ؟ .

لم أكن مستعداً لأجاريها فيما تود إقناعي به ، فعمدتُ مخاطباً إياها بأكبر قدر من اللباقة :

- سأصدقكِ القول ليكون ما بيننا إن كان بيننا ما سيكون ، قائما على الصراحة المؤدية بالبال إلى أتَمِّ راحة ، بإعطاء الأسماء مدلولها في الفهم المشترك الخالي من تأويل مبتغاة التهرب بلباقة عن أي مواجهة حتى وإن كانت حبِّية لحدٍ ما ، شخصياً لم آت لغاية هذه الديار الكريمة لأعشق إحدى بناتها البلجيكيات ، التي مهما كان أصلها وفصلها حاملة جواز الجنسية  المحلية ، المُحَصَّلَةُ عليها تكون مخلصة للواء البلجيكي ، ملبية نداء واجب الدفاع عن وطنٍ جذورها مزروعة في ثراه ، تُضاف لذلك شهادة ميلاد ، أو متعاطفة عن جدارة مع حقوق تتمتع بها وفق قانون الانتساب البعيد عن أي التباس ، أجل ما أتيت قاطعا بحورا وأراضي دول ، متحملا مشاق مغامرة باعتبار قلة المال في قطعها تعد مجازفة ، قد تنتهي والكل في سلام أو لما لا يُحمد عقباه ، ليكون أول انجاز أقوم به وخلال 24 ساعة من إقامتي في بلجيكا ، عشق امرأة حتى وإن كان جمالها مثلك يستحق تَجلُّداً لا يستطيع الصبر على تقليد صبره إن جال تفكير المعني على فراقه . حقيقة ليس هذا ما أتيت من أجله للمملكة البلجيكية ، بل لهدف اقناع نفسي أن أرض الله سبحانه وتعالى واسعة وما فشلت في تحقيقه في من تركتها خلفي ، سأحققه هنا ، مهما قطعتها من مراحل انتظار وتعلم وعمل وتوفير ، دون أن افقد شرف كرامتي ولا أن أعيش مكسور الجانب محطَّم الشخصية ، العشق بالنسبة إلي ما دام مِلْح الحياة فالأخيرة تحتاجه ليضاف لعوامل أخرى سيدها المعاشرة بالحلال ، تلك المعاشرة التي تجعل الرجل المسلم الآمر بالصرف على متطلباته الشرعية ومن عَرَقِ جبينه . حَصِيلَةُ القَوْلِ لستُ الشَّخصَ الملائِم الذي تستطيعين الحياة معه (كما تقتضيه العادة هنا)على هواكِ ، إن كنتُ محسوباً على المثقفين المتحرِّرين ، فلم تُغادر عقليتي ما رُبيتُ عليه بدءً بالعائلة والكُتَّاب ، ووسطاً بالانتساب المُباشِر لمدرسة المجتمع المحافظ  ، إلى ذاك النضال المُكْتَسَب عن أساتذة كبار مثل المهدي بنبركة ، وزملاء رفاق مرحلة الجامعة ، مثل محمد الحلوي وبرادة وغيرهما من المنتمين للإتحاد الوطني لطلبة المغرب ، حيث كنتُ مسؤولا عنه في منطقة الشمال بمكتبٍ أديره من ساحة الفدان الكائنة بمدينة تطوان ، نِضَالٌ  يَرَى التَّغيير أساس التحرُّر ، من مخلفات أكلَ الدهر عليها وشرب لا تَسر ، وللتغيير المقصود ثمناً مرجعيته الوَعْي ، واندفاعه تخطيط لما قد يقع عن واقع وليس خيال ، ومسؤولية احتماله مشحونة بإرادة لا تؤدي للمهالك ، فليست العزيمة مستَمِدَّة قوتها من تهورِ حماس لا قدرة له على أي مواجهة ، مادام النقيض حليفه ظلم الاستبداد وطمع الهيمنة ، وذاك المَقام المُطِلِّ على الجميع ، ليتبيَّن مَن معه للترحيب به ومن ضده لمطاردته ، شخصيا كنت من الصنف الثاني ، بمعنى حرماني الأكيد من أبسط حقوقي ، ومنها حصولي على جواز السفر، كلما طالبتُ بذلك يتم الرفض بكيفية استفزازية ، ولا أحد قادر لتغيير مثل المنكر ، فأقسمت أن تكون تلك الوثيقة في جيبي أعبر بها نحو المملكة البلجيكية ، وممنوحة لي من طرف مَن منعها علي . كيف تم ذلك (يُتبع) .

(الصورة : ساحة الفدان الشهيرة في مدينة تطوان)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6

  بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 6 تطوان : مصطفى منيغ أعلنت وزارة الداخلية عن رغبتها إجراء مباراة لتوظيف عددٍ محدود من الشباب ذكوراً وإناثاً...